استدراكات في الحلقة الأولى مع الحبيب الإمام الصادق المهدي

سماحة دولة الحبيب الإمام الصادق المهدي حفظه الله ورعاه رئيس حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله ورئيس الوزراء الشرعي والمنتخب للسودان وعضو مجلس التنسيق الرئاسي لقوى نداء السودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو اللجنة التنفيذية لنادي مدريد للحكماء والرؤساء السابقين المنتخبين ديمقراطياً والمفكر السياسي والإسلامي

 

 

 

 

 

 

برنامج استدراكات

موضوع الحلقة: جدلية العقل والنقل وجدلية الأصل والعصر

مقدم البرنامج: الأستاذ جهاد حسين

ضيف الحلقة: الحبيب الإمام الصادق المهدي حفظه الله ورعاه زعيم حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله ورئيس الوزراء الشرعي والمنتخب للسودان.

الحلقة الأولى

تاريخ البث: الثلاثاء 4 رمضان 1438هـ الموافق 30 مايو 2017م

قناة سودانية 24

كُتب من فيديو للحلقة

الأستاذ جهاد: متابعين سودانية 24 في كل مكان أهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من استدراكات يصحبُنا فيها الإمام الصادق المهدي بعُدة حلقات نتناولُ في هذه الحلقة جدليات، جدلية العقل والنقل، جدلية الأصل والعصر، وكيف نفهم القرآن في وهلة الراهن المُتسارعة. نُتابع.

الأستاذ جهاد: السيد الإمام مرحب بيك.

الحبيب الإمام: وعليكم السلام والرحمة.

الأستاذ جهاد: لعلك من أبرز الداعين إلى إستعادة العقل والعلوم العقلية، ما هى حدود إشتغال العقل في النص القرآني؟

الحبيب الإمام: بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً وقبل كل شئ وقبل الرسالات ينبغي أن نتحدث عن صورة الإنسان. من هو الإنسان؟ الإنسان، ربنا عندما خلقه، نفخ فيه من روحه. فهنا قبسٌ روحي. ثانياً ميزه من كل الخليقة بالعقل. ثالثاً ميزه من كل الخليقة بحرية الإختيار التي لم تتوافر للملائكة ولا لغيرهم. إذاً نبدأ قبل الرسالات بأن هذا الإنسان مخلوق به صفات مُميزة وبارزة، الإلهام (الهو القبس الروحي)، والعقل، والحرية. من هذا المنطلق أنا أود دائماً أن أنطلق من الإنسان الذي هو مُستقبِل الرسالات، والذي إذا لم نعترف له بهذه الخصوصيات والمواهب، نضِل، لأننا يومئذٍ نحصر الإنسان في النصوص العقلية ولا نعترف بأن هذا المخلوق به قبس روحي، وبه عقل، وعنده حرية الإختيار. فعندما نعترف بهذه الحقائق، دة يقودني إلى أني أتحدث عن التفسير الإنساني للقرآن، آى الذي ينطلق من هذا الإنسان ذو المواهب المذكورة هاهنا، بل أنا ضمن مراجعاتي الأساسية أكتُب عن السيرة، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأُسميها، عنوانُها، محمد رسول الإنسانية. وأُسمي ما أُريد أن أفعله بالنسبة لنصوص القرآن، التفسير الإنساني للقرآن، بما يعني أن الإنسان هذا الذي عن طريق النبوة يستقبِل الرسالات، ويستقبِلُها دون التنازُل، أو تخفيض مواهبه التي هو معروف بها وهى، القبس الروحي، والعقل، وحرية الإختيار.

الأستاذ جهاد: من ضمن هذه المواهب ذكرت العقل، ما دور العقل في فهم هذه الرسالات وعلى وجه الخصوص الرسالة المحمدية مُتمثلةٍ في القرآن الكريم؟

الحبيب الإمام: البوصيري، صاحب البردة، قال عن النبي صلى الله عليه وسلم:

لم يمتحنا بما تعيا العقول به    حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم

هذا يُميز الرسالة المحمدية أنها رسالة تُخاطب العقل وكل مُعجزاتها مُقنعة للعقل. ولذلك الحديث عن العقل في عشرات السور وفي مئات الآيات في القرآن وهذا يعني أن العقل بالنسبة للرسالة المحمدية له مكانة خاصة حتى الإمام الشاطبي قال كل ما حكم به الشرع حكم به العقل. المعتزلة، حركة مذهبية قوية جداً في رأيي في تاريخ الإسلام، لكن نقدي للمعتزلة، أنهم عولوا على العقل وحده وأسقطوا الإلهام، الجانب المتعلق بالقبس الروحي، ولذلك هذا فيه تخفيض. الفكر العلماني يُنتقد من أنه، نعم تم بالعقل، وهذا مطلوب، ولكنه أسقط الغيب. العقل عنده مدارك لا يتجاوزها، إذا أخذنا نحن الآن حواسنا، عندنا البصر، والسمع، واللمس، وحواسنا هذه في حقيقة الأمر لا تُدرك كل ما حولك، تُدرك بعض ما حولك، ولذلك في أصوات في الكون أعلى من قدرتنا، لا نسمعها، وفي أصوات في الكون أقل من أسماعنا، لا نسمعها، وفي موجودات في الكون عيونُنا لا تراها لأنها محجوبة عنها… حسب قدراتنا… إذاً ينبغي أن نعترف إعتراف كامل، بأن العقل الذي وسيلته الحواس محدود بقدراتنا العقلية ولكن هذا لا يمنع أن نقول، كل ما يُدركه العقل ينبغي أن نُخضعه لمقاييس العقل، ولذلك جاء في التنزيل (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ) [سورة الحجر الآية رقم 85]. الحق دة يُشير لقوانين الطبيعة، سُنن الطبيعة، دي نعرفها عن طريق العقل. ولذلك نحن نتحدث عن، نعم هناك كتاب مُنزل ولكن هناك كتاب منشور الطبيعة. الطبيعة هذه نفسُها من إرادة الله، ومستودعٌ في الطبيعة سُنن وقوانين ينبغي أن نعترفها عن طريق العقل، مع أننا مُكلفون بأن نُحيط بالحقائق العقلية هذه، ينبغي أن نُدرك أن هناك اشياء فوق، فوق هذه المدارك العقلية. وأنا اعتقد من أهم فلاسفة، بل أهم فيلسوف في الغرب وهو إيمانويل كانت (Immanuel Kant)، قدم في رأيي تفسيراً فلسفياً مُهماً، قال، ما نُدركه بحواسنا وعقولنا… سماها الكاتيقوريكال ايمبراتيفس (categorical imperatives)، الحتميات حولنا التي نعرفُها عقلياً، ولكنه أدرك أن الحياة فيها شئ أوسع مما تُدركه عقولُنا، ولذلك كتب عنها وسماها براكتيكال امبراتيفس (practical imperatives)، تحدث عن الأشياء الغيبية، منها اشياء تتعلق بأصول مكارم الأخلاق وخلود الروح، إلى آخر هذه المعاني الغيبية. فأنا اعتقد العقل، الإنسان العاقل هو ذلك الذي يعترف للعقل لدوره ولكن ايضاً بحدوده ويعترف بأن هناك اشياء مُنطلقة من صورة الإنسان نفسُها، هذه الأشياء لا يُدركُها العقل…

الأستاذ جهاد: (مُقاطعاً) بنجي نحنا يا السيد الإمام لمسألة حدود العقل بالنسبة للجاي، ولكن هناك تجربة تحدثت عنها وإنتقدتها وهى تجربة المعتزلة، ولكن تجربة المعتزلة في بدايتها كبداية عقلية في الإسلام واجهت تحديات، في رأيك لماذا هذا الهجوم الذي واجهته المعتزلة في بدايتها؟

الحبيب الإمام: في رأيي أهم سبب في الحملة ضد المعتزلة أن الفقهاء والذين ورثوا النصوص كانوا يخشون على الفكر الإسلامي من نفوذ الفلسفة اليونانية، وصار من مخاطر ما يحدُث أن الفلسفة اليونانية يُمكن أن تُطيح، يُمكن أن تُطيح هى، إذا عولنا على العقل بالصورة دي بأهمية النقل، هذا الذي أدى إلى أهم كتاب في رأيي تصدى للمسألة العقلية … (للأسف الشديد راح الصوت من الفيديو) …. (مواصلة) مُعادلة جديدة نتطلق من أن للإنسان مواهب، عقلية وروحية وحرية الإختيار، والآن وفي رأيي نستأنس بآراء هؤلاء جميعاً ونُدركها ولكن لا ننطلق من تبعية لها لأن هذا زمن إنقضى ونحن الآن في زمن دخلت فيه معارف كثيرة جديدة تُلزمُنا أن نأخذُها في الحُسبان.

الأستاذ جهاد: السيد الإمام ما الذي يترتب على انحسار المعتدلين أو على انحسار الإتجاه العقلي عموماً في المدراس الإسلامية؟

الحبيب الإمام: أنا رأيي نحن فيما يتعلق بموقفِنا، رُزقنا باشياء محددة أولها إسقاط العقل وبالتالي هزيمة العقل البرهاني، زى ما قال أحدهم يُعبر عن هذا:

العلم ما كان فيه قَالَ حدثنا    وما سوى ذاك وسواس الشياطين

في رأيي دة نسف دور العقل البرهاني، وايضاً من تمنطق تزندق، وايضاً عن الفلسفة: لا خير ما في الفل أوله وآخره سفه! قسم كلمة فلسفة إلى فل وسفه. أنا في رأيي دة كان ضرر بالغ جداً لحياتنا الفكرية، الضرر الثاني التقليد، بإعتبار أن ما استنتجه الأئمة هو الدين والعودة إليهم بإعتبار ذلك، يعني الفكرة دي،

ومالكٌ وسائر الأئمة     وأبو القاسم هداة الأمة

فواجبٌ تقليد حبرٍ منهم     كذا قضى القوم بقولٍ يفهم

دة كلام جوهرة التوحيد. دة الضرر الثاني. والضرر الثالث هو التخلي عن الشورى والمشاركة في الشأن العام بإعتماد ولاية المُتغلب، أى الإستبداد. في رأيي الثلاثة اشياء دي، طرد العقل البرهاني، وطرد الإجتهاد في الفقه، وطرد الشورى في ولاية الأمر، هذه العوامل الثلاث في رأيي هى المسؤولة عن انحتاطنا، أو انحتاط أُمتنا في التعامل مع نصوص الدين وفي التعامل مع الفكر.

الأستاذ جهاد: السيد الإمام ما أثر كل هذا على التعاون مع النص القرآني؟

الحبيب الإمام: أثره كبير جداً لأن النص القرآني نفسه بيقول (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) [سورة محمد الآية رقم 24]، يعني في ضرورة للتدبُر. للأسف التدبُر بموجب التدبُر، التدبُر بالعقل، التدبُر بماذا، التدبُر ما بالنقل التدبُر بالعقل. (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) [سورة الفرقان الآية رقم 73]. دة كله معناه أن القرآن نفسه بيتطلب منا أن نتعامل مع النصوص بعقولنا وبتجربتنا ايضاً وبتجربتنا الروحية، بإعتبار أننا نحن كبشر عندنا كما قلت صفات لا تتوافر لغيرنا، الإلهام، القبس الروحي، والعقل، والحرية، حرية الإختيار. فللأسف غياب هذه الأمور ونحن عندنا هذه الإمكانات جعلنا للأسف نطفئ شمعة مفروض نستضئ بها لفهم القرآن ونمشي أو نسير في ظلام.

الأستاذ جهاد: السيد الإمام نأخذ فاصل ونجي راجعين. مشاهدينا الكرام فاصل ونواصل، تابعونا…. من جديد مُتابعونا الكرام في هذه الحلقة من استدراكات التي نتحدث فيها حول الدراسات العقلية والمناهج العقلية لدراسة القرآن الكريم على السيد الإمام الصادق المهدي. السيد الإمام قبل الفاصل كنا قد تحدثنا عن مسائل كثيرة متعلقة بدور العقل وتناولنا المتزلة نموذجاً، لكن في العصر الحديث لو تحدثنا عن رشيد رضا، ما إمكانته في هذا الأتجاه؟

الحبيب الإمام: السيد محمد رشيد رضا اصلاً هو تلميذ من مدرسة الإمامين، جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. مدرسة الإمامين هى محاولة للتوفيق بين النقل والعقل، بين حضارتنا والحضارة الحديثة. وفي رأيي تفسير المنار إنصب حول هذه الفكرة، هو ما كمل التفسير لكن الأجزاء القدمها فيها محاولة للتوفيق بين النقل والعقل، إن كان السيد محمد رشيد رضا نفسه في رأيي مع تطوره غير وإنتقل من الفكر التوفيقي إلى فكر سلفي، لماذا؟ في رأيي هو واجه الإحتلال الفرنسي لسوريا وتألم من هذا جداً، وعموماً كل مظلمة حصلت لنا في تاريخنا أدت إلى ردود فعل فكرية منكفئة…

الأستاذ جهاد: (مُقاطعاً) أدت إلى رضها.

الحبيب الإمام: نعم مثلاً بالنسبة لغزوة تتار وبالنسبة للغزو الفرنسي وإنتقال محمد رشيد رضا من كونه يُعبر عن مدرسة توفيقية تُعبر عن رؤى الإمامين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده إلى رؤية منكفئة.

الأستاذ جهاد: هذه هى رؤية، رؤية نفسية أكثر من إنها عقلية؟ نفسية تجاه

الحبيب الإمام: لا هو بموجبها راجع في رأيي، راجع الفكر التوفيقي إلى فكر يكتفي بما عندنا عن أى نوع من استصحاب الفكر الحديث، ودي في رأيي علة الإخوة في المجال السلفي بمعنى، نعم للسلفية ولكن السلفية نفسُها قائمة على عملية استصحاب، يعني لو نظرنا مثلاً إلى الصدر الأول نرى كيف أن الخلفاء استصحبوا اشياء عقلانية أو عقلية أو حتى اجزاء من حضارات أُخرى، النقد والديوان والتدوين نفسه، كل هذه الأشياء كانت في حقيقة الأمر اشياء جديدة، ولا شك أن أمير المؤمنين عمر إبن الخطاب، وهو أهم قادة الأمة في السلف، لا شك أنه استصحب اشياء كثيرة من خارج النصوص بما فيها من مصلحة، وكذلك الخليفة عثمان إبن عفان، رضى الله عنهم جميعاً، فهو فعل شيئاً لم يكن في النصوص وهو تكوين لجنة وإعتبار أو إتاحة للجنة تفويض لتجمع ما هو موجود من نصوص مختلف عليها في القرآن وتوحيد النص والتخلي عن وإسقاط كل النصوص الأُخرى بما حقق مصلحة كبيرة جداً وهى توحيد النص بل كان في هذا هو اداء لإرادة إلاهية (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر الآية رقم 9]، يعني هو صار فعلاً اداء لهذا المعنى لأن قبله كان هناك نصوص مختلفة وكثير من الصحابة عندهم نصوص قرآنية مختلفة عن بعضها بعضاً لولا…

الأستاذ جهاد: (مُقاطعاً) ألا ترى يا السيد الإمام كانت العملية يعني كانت عملية خطيرة؟

الحبيب الإمام: لا عملية مفيدة جداً لأنها هى جابت نفس الصحابة الذين استقبلوا الأمر لكي يوحدوا النص لولا ذلك لصرنا ك… يعني دلوقت لو أخذت المسيحية، أنت لا يمكن أن تتحدث عن الإنجيل مُطلقاً، تتحدث عن إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا، لازم تربط ما بين الإنجيل وشخص، وهذا في رأيي يعني فيه متاهة، لكن أن يكون هناك… مُش تقول القرآن لمسعود، أو القرآن فلان، تقول القرآن. أنا في رأيي هذا إنجاز عظيم للخليفة عثمان إبن عفان وهو قد فعل في هذا أمراً فيه خروج عن النص، خروج عن النص، أى معنى ذلك أن السلف أنفسُهم كانوا يخرجون عن النص لأسباب منفعة أو مصلحة أو عقلية، ونفس الشئ مثلاً خروج عن النص كان هناك خلاف كيف ندعو الناس إلى الصلاة، ففي إختلاف طبل، نضرب طبل، نضرب جرس، ماذا نفعل؟ فجاء الصحابي القال هو رأى في المنام من لقنه الآذان والإقامة، والرسول صلى الله عليه وسلم قبِل هذا. فهذا مدخل للإلهام، الإلهام لأحد الصحابة في أمرٍ مُهم جداً في تأسيس الدين. أى أن السلف نفسه أو السلف أنفُسهم أتو باشياء فيها المصلحة، وفيها العقلانية، وفيها الإلهام، إضافة للنصوص، ودة يعني إذا كنا نتحدث عن السلفية بمعناها التام، يجب أن نعتمد في هذه السلفية بمعناها التام أن فيها الإلهام، وأن فيها العقل، وأن فيها المصلحة. وطبعاً دة نفسه نستطيع أن نقول جعل بعض أئمة الفقه والفكر الإسلامي وهم من أساطين السلفية كإبن تيمية، يتحدثون مُش بس عن الأمور دي، يتحدثون عن أن نتخذ المقاصد سبيل إلى التشريع، لذلك قال، كل ما تحقق به العدل هو من الشريعة وإن لم يرد به نص، دة بيتحدث هنا عن مقاصد، أنه مقصد الحرية يجعلنا نقول هذا الكلام، بل قال كلام زيادة، إن الله لينصُرُ الدولة العادلة وإن كانت كافرة على الدولة المؤمنة الظالمة. هاهنا يستخدم مقاييس مقاصدية. وأنا اعتقد إذاً، إذا كنا نتحدث عن سلفية محيطة، السلفية المحيطة لا تقفُ عند حد النقل، السلفية المحيطة أى بما فعله السلف فيها العقل وفيها المصلحة وفيها الإلهام وفيها المقاصد…

الأستاذ جهاد: (مُقاطعاً) عُذراً على المُقاطعة يا السيد الإمام، في الحديث عن المقاصد الرشيد رضا ما المقاصد التي حكمت توجهاته في التفسير؟

الحبيب الإمام: أنا اعتقد في الأساس هى المقاصد التي اتخذها الإمامان وهى ضرورة التوفيق بين الأصل والعصر، يعني أهمية أن هذا العصر الحديث واقع جديد وطبعاً كثير من السلف أنفسُهم حقيقةً أو فلاسفة السلف أنفسُهم يقولون مثل هذا الكلام مثلما قال إبن القيم، إبن القيم قال، واجب الفقيه أن يحدد الواجب إجتهاداً، (مُش تقليداً)، وأن يحيط بالواقع، يحيط بالواقع ويزاوج بينهما. أنا في رأيي دي المدرسة الإنطلق منها الإمامان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن أهم نتائجها أن نتحدث عن الواجب دون إسقاط الواقع ونحاول التوفيق بينهما لأن فيه واقع جديد، في الحضارة الغربية والحضارة الحديثة وإلى آخر هذه المعاني. أنا اعتقد أن التفسير المنار فيه محاولة لتحقيق هذا النوع من التوفيق بين الواجب والواقع…

الأستاذ جهاد: (مُقاطعاً) فيه بعض الأشياء المتعلقة بالفلسفة ومتعلقة بالعلوم العقلية والتي يتوجس منها الناس، رأيك كيف يمكن للناس أن يواجهوا هذه المسألة أو لماذا هذا التوجس؟

الحبيب الإمام: أنا في رأيي إن هذه الأسباب لأنه موجود الموقف المعادي للعقل البرهاني والموقف المعادي للإجتهاد والموقف المعادي للحرية بموجب الإتباع المتغلب. هذه المعاني خلقت قميص حديد، قميص حديد خلق هذا النوع من التوجس من المسائل العقلية والمسائل المتعلقة بالواقع واستصحاب الواقع إلى آخره. وفي رأيي الواجب الآن إذا أردنا أن نخرج من هذا المستنقع أن نعطي صورة الإنسان حقها، الإنسان الملهم، الإنسان العاقل، الإنسان الحر، وأن نقول بموجب هذا نتعامل مع النصوص، نتعامل مع الواقع، ولكن إذا ما فعلنا هذا فإن خلفية الإستبداد وخلفية التقليد وخلفية إتهام العقل البرهاني ستحصرُنا في رأيي في موقفٍ فيه جمود وفيه التكلس.

الأستاذ جهاد: السيد الإمام تحدث رشيد رضا وحمل على عاتقه مسألة التوحيد ومسألة العدل، برأيك هل الحديث عنهما بعيداً عن العقل؟

الحبيب الإمام: لا، أنا في رأيي العقل نفسه هو الذي يُجبرُنا أن نتحدث عن هذه المعاني وبالمناسبة الشعار الذي تحدث عنه المعتزلة كان التوحيد والعدل يعني دة تركيزهم هم على التوحيد والعدل وأنا اعتقد أن أى نظرة عقلانية لتراثنا تفعل ذلك.

الأستاذ جهاد: هل يمكن فهم التوحيد فهم العقلانية؟

الحبيب الإمام: نعم مؤكد لأنه لو كان فيهم آلهةً غير الله لفسدتا. الكون دة فيه نظام. لو مافي نظام في الكون، إله واحد، يطرب هذا النظام. الكون دة قائم على معادلات قوية جداً. نحن مثلاً هنا في الأرض، المسافة بيننا وبين الشمس إذا زادت متنا بالبرد وإذا نقصت إحترقنا، في نظام. في الغلاف المكون للأرض ايضاً وما فيه من أوكسيجين. يعني أنا عملت دراسة كاملة في كتابي “أيها الجيل”، فيها كيف أن كل المؤشرات في الكون، كلها تُشير إلى واحد أحد مُنظم للكون،

وفِي كلِّ شيءٍ لَهُ آية ٌ   تَدُلّ على أنّهُ الواحِدُ

وكذلك لا شك ابداً زى ما في الفيزيا في التوازن يحصل في المركز centre of gravity، زى ما في الضرورة لكى يستقيم أى جسم أن يتوازن على كتلته، centre of gravity بتاعه زى ما هو دة موجود كذلك لا يحصل توازن في المجتمع إلا على أساس العدل. وأنا اعتقد بصورة كبيرة أن حقيقةً أى مسلم يتدبر القرآن يفهم أن في الشئون الإلهية التوحيد هو الغالب وهو الأساس وفي الشئون الإجتماعية العدل هو الأساس. وبالمناسبة دي في واحد إسمه شيدينغر (Robert F. Shedinger) أستاذ العلوم أديان المقارنة في أمريكا، كتب كتاب اثار ضجة كبيرة جداً في السنة الماضية، والكتاب بعنوان “هل كان المسيح مسلماً”، وتناول المسيح قبل تطور الكنيسة على يد القديس بطرس وكانت طبعاً واضحة تماماً فيها، ما فيها تدليس، فيها المعنى التوحيدي، فقال بعد التصدي وبحث، العقائد المتعلقة بالمسيح عليه السلام وجدها مرتبطة بأمرين، بالتوحيد والعدل، وفي نهاية الكتاب رد على السؤال، نعم كان المسيحُ مسلماً.

الأستاذ جهاد: ناخذ فاصل ونجي راجعين. مشاهدينا الكرام فاصل ونواصل، تابعونا… من جديد مشاهدينا الكرام. السيد الصادق نذهب إلى سيد قطب، حمل ايضاً على عاتقه مسائل متعلقة بالعصر ومتعلقة بالحاكمية ومتعلقة بالشريعة.

الحبيب الإمام: سيد قطب عالم، وسيد قطب مفكر، وسيد قطب مجتهد، ولكنه ضحية ظروف سياسية وفكرية عاش فيها. سيد قطب الأول، يعني أنا حأتحدث عنه كشخص حقيقةً دخل في مراحل، سيد قطب الأول أديب، وفي كتابه “العدالة الإجتماعية في الإسلام” ركز على مسألة المقاصد، وفي رأيي، كان هناك وسطية، ولكن سيد قطب وجد قهراً شديداً وتعذيباً في معاملة الإخوان المسلمين في مصر، وهو منهم، ولذلك عندما، هو كان قد أُعتقل لأنه هو الذي كتب عن الإتفاقية المصرية البريطانية، وفيها البيان إتهم عبد الناصر بخيانة ولذلك أُعتقل، أُعتقل وهو في السجن شهد كيفية المعاملة للإخوان المسلمين، وكانت قاسية للغاية، وله هو نفسُه…

الأستاذ جهاد: (مُقاطعاً) ما دور هذه المعاناة في قراءة القرآن؟

الحبيب الإمام: أنا عشان كدة بقول لك، هو في ظل هذا إنطلق من مفاهيم المظلومية، زى ما حصل لإبن تيمية من غزو التتار، وزى ما حصل لأبو الأعلى المودودي في الهند من طغيان الهندوسية، لأنه الهندوسية من الديانات المتطرفة جداً وغير المعترفة بالآخر، لذلك إتجه أبو الأعلى المودودي لإعلاء دور الحكم في الدين، ودة الجعله يتحدث عن موضوع الحاكمية، والحاكمية في نظره هى الربوبية في ثوب بشري، ودة نفس الذي حدث للخوارج، الخوارج قالوا، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ) [سورة يوسف الآية رقم 40]، معناه نحن نطبق نصوص الإمام علي قال، هذه كلمة حق أُريد بها باطل، نحن لا نتحدث عن التشريع الهى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ)، دة تشريعي، نحن نتحدث عن الإمرة، فهؤلاء يقولون إن الإمرة إلا لله، الإمرة ما بتكون لله بتكون للبشر إبتداءً من خلافة أبي بكر رضى الله عنه إلى بقية الخلافات، أمر بشري مُش أمر إلهي. على كل حال إيذاء الظلم والمعاناة إنتقل هو من مفاهيم في رأيي مقاصدية إلى مفهوم طارد للآخر فيه أن الحاكمية هى التطبيق البشري للربوبية، ودة جعله يتحدث عن معالم في الطريق، بمعنى، معالم في الطريق ينطلق من أن المجتمع كافر، جاهل، وطبعاً الفكرة أنه ما ممكن لمجتمع مؤمن أن يمارس الممارسات التي مورست في السجون المصرية، أن هذه الأمور لا يمكن أن تكون على يد مسلمين أو مؤمنين ولذلك هؤلاء جاهلية ثانية، زى ما فسر ذلك أو عبر عنه أخوه الهو محمد قطب في “جاهلية القرن العشرين”. الفكرة أنه الإجتهاد والظلم حول مفاهيم مقاصدية معتدلة إلى موقف متطرف. لمن هو خرج من السجن جاءه مجموعة من الشباب قالوا ليهو ما معناه، نحن لا نستطيع أن نطبق الشريعة في مثل هذا المجتمع وعندنا أفكار راديكالية، عرضوها عليه، قبلها وتبناها، وفي رأيي المرحلة دي، مرحلة فيها إنتقل سيد قطب من الإعتدال والمقاصدية إلى موقف راديكالي يربط ما بين الشريعة وتطبيق الشريعة والسلطة السياسية، وطبعاً للأسف كثير جداً من الآخرين الآن إنطلقوا من هذا المفهوم، أن الدين يتطلب أن تكون الحاكمية لمن يطبقون الشريعة، حقيقةً هذه تماماً تُشبه عبارة ولاية الفقيه. يعني ولاية الفقيه إما أن أخذت من هذا أو هو أخذ منها، المُهم في حصل نوع من التجانس بين الحاكمية وولاية الفقيه، وكلاهما في رأيي خرج من ما ينبغي أن يكون النهج إلى جعل أولوية للسلطة السياسية كوسيلة تُعبر عن الربوبية لتطبيق الشريعة.

الأستاذ جهاد: هل جعل هذا سيد قطب يعني يؤلف صورةً سلفية بإسلوبٍ أدبي جديد؟

الحبيب الإمام: نعم، هو طبعاً إنسان أديب ومقتدر أدبياً ومافي شك ابداً هو العبارة بتاعتو، عبارته حديثة ولكن معناها تكفيري، لأنه هو حتى قال، الإسلام نهجه هو ما يعنيه العصر الحديث بعبارة النظام السياسي. هو في الواقع إيذاء الإضطهاد والظلم والبطش الذي حدث إنتقل إلى هذا الموقف، وأنا اعتقد كل ما حدث، ظلم، بطش، ردة الفعل في الإطار الإسلامي تقود إلى نهج تكفيري نافي للآخر، هى سوسيولوجياً وبما فيه نفسياً وبما فيه إجتماعية، طبيعي أن لكل فعل رد فعلٍ موازي له، مساوي له ومضاد في الإتجاه. أنا في رأيي الأفكار التي تُسمى الآن تكفيرية هى ردود فعل كذلك لفعل ينفي للدين أو للإسلام دوره، يعني واضح تمام أنه الحركات الإسلامية في المناطق المختلفة الآن هى إلى حد كبير ردود فعل لحركات علمانية تنفي أى دورٍ للدين، متطرفة، والحاجة المدهشة التطرف الناس يربطوه بالدين فقط، لا التطرف العلماني أقوى من التطرف الديني لأنه أكثر تطرف في التاريخ العلماني مثلاً الفاشستية والستالينية، وهذا تطرف علماني. في دراسة عن من قُتلوا نتيجة للتطرف الشيوعي مثلاً 80 ميليون. فإذاً التطرف اليساري واليميني العلماني عنده دور قوي جداً، صحي في التطرف الديني، وللأسف يُحصر الكلام في التطرف الديني وحده، ولكن هناك تطرف علماني قوي جداً جداً. هو في الواقع من أسباب التطرف الديني المضاد.

الأستاذ جهاد: السيد الإمام ونحن في نهاية هذه الحلقة، برأيك ما المنهج الأصلح من هذه المناهج التي تناولناها أو هو الأقرب إلى فهم القرآن الكريم في هذا العصر؟

الحبيب الإمام: في هذا العصر في تفاسير جيدة جديدة، في تفسير “التحرير والتنوير” لبن عاشور (الشيخ محمد الطاهر بن عاشور)، في “التفسير الحديث” لمحمد عزة دروزة، يعني مثلاً محمد عزة دروزة بينظم القرآن مُش حسب التنظيم النقلي المعروف وإنما بيتحدث عن السور على حسب تاريخ نزولها، ودة مُهم ايضاً لأنه بيوضح معاني كثيرة. المُهم في إجتهادات من هذا النوع، ولكن أنا حتى الآن ما مطمئن نهائياً لأى كتاب تفسير أقوله لمن يقرأ خُذ هذا وإكتفي به. المُهم أن نعترف بأن الإنسان ليس مجرد متلقي، الإنسان هو نفسُه عنده قدرات، روحية، وعقلية، وعنده حرية إختيار. إذاً نحن نُريد التفسير الذي ينطلق من هذا المخلوق ذو المكانة المُميزة هذه. وأنا اعتقد هو نفسُه دة التفسير، في رأيي الصحيح لعبارة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [سورة الإسراء الآية رقم 70]، كُرِم بني آدم على الخليق الأُخرى لهذه الأسباب التي أعطته كما قلت هذه القدرات، فهو ليس مجرد متلقي، متلقي للنص المُنزل، ولكن هو متلقي له وعليه أن يُدركه ويفهمه بمواهبه المعلومة، ولذلك (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [سورة محمد الآية رقم 24].

الأستاذ جهاد: برأيك هل هناك أمل لإستعادة الريادة العقلية في فهم القرآن الكريم؟

الحبيب الإمام: نعم، وألف نعم. أنا اعتقد اصلاً دائماً، الآن نحن بمفاهيمنا الموجودة في رأيي في حالة مُزرية، ومن شدة أن هذه الحالة سيئة، أنا أرى أنها لا يمكن أن تسوء أكثر لأنه مثلاً داعش والقاعدة، أنا في رأيي داعش والقاعدة الآن يُمارسون أعمال هى في حقيقة أمرها تنفيذ لمفاهيم شايعة، يعني بمفاهيم منكفئة شايعة، يعني المفاهيم التكفيرية، وعشان كدة لمن أحمد مطر يقول وليهو حق، يقول:

رُسُلُ التَّخلُّفِ في بلادِ الضّادِ    يَستنكرونَ خِلافةَ البغدادي

فَعَلامَ يأنَفُ لاعِبٌ مِن لاعِبٍ    وكلاهُما عُضْوٌ بنَفسِ النّادي؟!

يعني المأساة في الحقيقة أن هؤلاء الذين طبقوا برنامج التكفير هم في الحقيقة يطبقون حواضن، مدارس، موجودة، شائعة في منطقتنا. إذاً نحن في حالة سيئة جداً لأنها ما طبقه داعش مؤكد مُستنكر جداً، إن ما يفعله داعش أو ما فعله داعش هو تطبيق لتنظير موجود في المنطقة عام، كل الذي عمله ركب سِنان في الحربة دي، لكن الحربة موجودة، نحنا واجبنا أن نُزيل هذه الحربة بصورة أساسية. عشان كدة أنا بتحدث على أنه نعم هذه الحالة السيئة حالة… أنا كتبت مقالة أخيرة وتحدثتُ فيها عن ما سميته بعنوان يريدونها إحتضار ونريدها مخاض، يريدونها أحتضار يعني عدونا ونريدها مخاض يعني أن نخرج منها بفجرٍ جديد. الفكرة إذاً هى أنه نحن ينبغي أن لا نستسلم للإحتضار وإنما من هذا الإحتضار ننطلق بفجرٍ جديد مثلما أنا دائماً بقول، العنقاء، العنقاء طائر خرافي من رماده يحيا ويطير، فإن شاء الله من رمادنا نحيا ونطير.

الأستاذ جهاد: نعم. السيد الإمام شكراً جزيلاً.

الحبيب الإمام: العفو يا إبني.

الأستاذ جهاد: مشاهدينا الكرام حتى الملتقى، في أمان الله.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*