الحبيب الإمام الصادق المهدي في الحلقة الأولى (الجزء الأخير) من شهادته على العصر

جريدة الجريدة - الثلاثاء 25 أغسطس 2015 العدد 1502 الصفحة 4
جريدة الجريدة – الثلاثاء 25 أغسطس 2015 العدد 1502 الصفحة 4

تُوثق قناة الجزيرة القطرية عبر ( برنامج شاهد على العصر) الذي يقدمه الإعلامي أحمد منصور للإمام الصادق المهدي، ولازالت الحلقات متواصلة وشيقة ولتسيير المتابعة رأت (الجريدة) نشر الحلقات ..وافق مكتب الإمام مشكوراً على ذلك وأرسل الحلقات محررة وهي جديرة بالإهتمام لمافيها من معلومات ثرة تتوفر لأول مرة.

أحمد منصور: ولد الصادق المهدي في العباسية بأم درمان في السودان في الخامس والعشرين من ديسمبر عام ۱۹۳٥ م، والده هو الصديق المهدي مؤسس حزب الأمة وإمام الأنصار خلفاً لجده عبد الرحمن المهدي، التحق الصادق المهدي بداية في جامعة الخرطوم لدراسة الهندسة الزراعية لكنه تركها وانتقل لدراسة الاقتصاد والسياسة والفلسفة في جامعة أوكسفرد في بريطانيا، التي تخرج منها عام ۱۹٥۹ م (الإمام تخرج في ۱۹٥۷ – المكتب الخاص للإمام)، انغمس بعد عودته للسودان في العمل السياسي، وكان من أبرز المناهضين لنظام عبود العسكري حيث تولى رئاسة الجبهة الوطنية الموحدة المعارضة (الجبهة القومية المتحدة- المكتب) للنظام العسكري حتى سقوطه في العام ۱۹٦٤ م، شارك في صياغة ميثاق ثورة أكتوبر عام ۱۹٦٤ م، كما اختير في نوفمبر من نفس العام رئيسا لحزب الأمة. انتخب رئيساً لوزراء السودان للمرة الأولى في شهر يوليو عام ۱۹٦٦ م وبقي في منصبه حتى منتصف مايو عام ۱۹٦۷م. ترأس الجبهة الوطنية المعارضة لنظام جعفر نميري بين عامي ۱۹۷۲ م و ۱۹۷۷ م. شارك في ثورة أبريل عام ۱۹۸٥ م التي أطاحت بنظام نميري العسكري. انتخب مرة أخرى رئيساً لوزراء السودان في السادس من مايو عام ۱۹۸٦ م، وبقي في منصبه حتى أطاح به الانقلاب الذي قاده عمر البشير في الثلاثين من يونيو عام ۱۹۸۹ م، يتولى الصادق المهدي إمامة الأنصار علاوة على رئاسته لحزب الأمة. ولم يتوقف نشاطه السياسي بعد الإطاحة به. وقد أدى نشاطه السياسي لاعتقاله عدة مرات. نتابع في هذه الحلقة والحلقات القادمة شهادته على عصر السودان الحديث..

الإمام الصادق المهدي في حواره مع أحمد منصور:

الحلقة الأولى (الجزء الأخير)

والدي الإمام الصديق وهو يحتضر قال في ملأ من الناس الخلافة عندنا يقررها الأنصار بالشورى

ونحن نواري الإمام الصديق الثرى، قرأت الوصية، ومنذئذ صار الكلام أن إمام الأنصار يجب أن ينتخب

 أنا الذي كتبت ميثاق أكتوبر وصليت على الشهيد (القرشي)، وأدرت التفاوض مع نظام عبود منذ بدايته إلى نهايته

الثلاثاء 25 أغسطس 2015

الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي
الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي

منصور: حين جدك عبد الرحمن ورث الزعامة الدينية وحتى السياسية من الجد الأكبر المهدي. والدك الصديق ورث من جدك عبد الرحمن. أنت ورثت من أبيك. هل الزعامة الدينية والسياسية تورث؟

الإمام: تعرف يا أخي، لا صلة أبداً بين زعامة عبد الرحمن وزعامة أبيه، بالمرة! يعني هو نشأ لا صفة له أبداً غير أنه هو كوّن زعامة من جديد. زعامة المهدي والمهدية كانت قائمة على نظام مختلف. المهدي عنده أخوان وعنده أبناء. لم يسند إلى أي واحد منهم أية مسئولية، ولم ينل أي واحد منهم في عهد المهدية إلى أن انتهت أية مسئولية، لا إمارة ولا خلافة. واختار أربعة سماهم خلفاء له أسوة بخلفاء الرسول صلى لله عليه وسلم، فعبد لله بن محمد من قبائل التعايشة في غرب السودان.

منصور: ليس مهديا، ليس من العائلة؟

الإمام: ما عنده أي صلة بالرحم. علي ود حلو من قبائل النيل الأبيض أيضا لا صلة له بالرحم هذا هو الثاني، والثالث الخليفة محمد شريف عنده علاقة ما بالمهدي ولكنها ليست علاقة مباشرة مثل أن يكون ابنه أو أخوه، وقيل إنه كاد أن يسند خلافة عثمان يعني الخليفة عثمان رضي لله عنه لعثمان دقنة الذي هو من شرق السودان، فكأنما مسئوليات الخلافة كانت موزعة على أقاليم السودان، وليست على أي صلة بأسرته المباشرة. الإمام عبد الرحمن كان يعتبر الإمام الصديق وهو ابنه كان يعتبره شريكه وفعلا كان شريكه وليس ابنه فقط, بسبب هذه الشراكة قال يخلفني، ولكن بعد ذلك لم يعين أو يختر أي واحد أن هذه السلسلة تورث. والدي الإمام الصديق وهو يحتضر قال في ملأ من الناس الخلافة عندنا يقررها الأنصار بالشورى.

منصور: لكنه رشحك!

الإمام: لم يرشحني، ولم يرشح أي واحد. هو اختار خمسة من الأسرة ليديروا الأمر مؤقتاً إلى أن ينتخب إمام. هذا كلام أمام الناس كلها، صحيح حصل تغيير في هذا. من أين جاء التغيير؟ التغيير جاء من أنه كوّن هو لجنة خماسية برئاسة السيد عبد لله الفاضل المهدي، وفيها السيد يحيى والسيد الهادي والسيد أحمد وشخصي، بفكرة أن مسئوليتنا إدارة الشأن إلى أن ينتخب الأنصار إماماً. الحقيقة أن السيد عبد لله اقترح على المجموعة أن نتجاوز عن هذه الفكرة لأننا نعيش في زمن فيه دكتاتورية معادية لنا، الفريق إبراهيم عبود، وإذا فتحنا باب من هذا النوع.

منصور: والدك توفي ۱۹٦۱

الإمام: ۱۹٦۱م، وإذا فعلنا ذلك ستكون فتنة ولذلك دعونا نحن نختار الإمام من بيننا. وقال: أنا بشخصي غير متطلع لها، وقال ليحي وأحمد أنتم لا يمكن أن تتطلعوا وأخوكم الأكبر الهادي موجود.

منصور: طبعا دول أعمامك كلهم وأنت الوحيد الابن للسيد الصديق؟

الإمام: نعم. السيد عبد لله ربنا يرحمهم جميعاً قال: الأمر إذن بين الهادي والصادق. أنا كان واضح لي أن الجميع يفضلون إمامة السيد الهادي، عمي، فأنا قلت أهون لي أن أؤيد عمي من أن يؤيدني، ولذلك أنا أؤيده، بشرط وصية الإمام الصديق أعلنها أنا أمام الناس، على أساس نحن خالفنا الوصية، ولكي يصير اختيار الإمام مستقبلاً وفق هذا الدستور، بحسب نص ما قاله الإمام الصديق في وقت احتضاره. وهذا ما حدث. ونحن نواري الإمام الصديق الثرى، أنا في خطبة عامة قرأت الوصية، ومنذئذٍ صار الكلام أن إمام الأنصار يجب أن ينتخب. وحتى مسألة رئاسة حزب الأمة.

منصور: (مقاطعاً) طبعا حزب الأمة أسس ۱۹٤٥م، ووالدك كان رئيس الحزب ۱۹٤۹م طبعاً حل بعد الانقلاب العسكري في ۱۹٥۸م.

الإمام: نعم، ولذلك بعد وفاة الإمام الصديق كان الحزب محلولاً، وظل محلولاً إلى ثورة أكتوبر ۱۹٦٤م، هنالك نظرنا في كيف نعيد تكوين حزب الأمة فاتفقنا.

منصور: يعني في ۱۹٦۱م حينما ورثت الزعامة الدينية لم ترث معها الزعامة السياسية؟

الإمام: ما ورثت الزعامة الدينية أصلاً، كما قلت لك صار الإمام السيد الهادي، وأنا صرت مبايعاً له، لما أنا قمت بدور ما في ثورة أكتوبر وبعد أن..

منصور: بس هنا بقية المصادر بتقول كلام غير دة؟ بتقول العكس..

الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي
الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي

الإمام: لا معليش أنا بقول ليك كلام. أنا الذي كتبت ميثاق أكتوبر والذي صليت على الشهيد (القرشي)، والذي أدرت التفاوض مع نظام عبود منذ بدايته إلى نهايته وهذا كله موثق ما في عبث في هذا الكلام. أولا كنت من كتبت فكرة أن مشكلة الجنوب لا تحل عسكرياً.

منصور: كل هذا سوف نأتي له بالتفصيل، ولكن المصادر التي وقعت تحت يدي قالت أن أباك قد أوصى بالولاية لك. وأنت تقول رواية أخرى تماماً، وأن بعد ذلك انشق عمك من الحزب وانشقيتوا، يعني أنت الآن تروي رواية أخرى.

الإمام: لا يا أخي أحمد، الكلام هذا كله موثق، وصية الإمام الصديق منشورة. ليس هناك حديث من هذا النوع، المهم لما جينا نعيد تكوين حزب الأمة بعد سقوط النظام الديكتاتوري اتفقنا على أن ندعو كل جماعتنا كجمعية عامة ونناقش ماذا نريد بتكوين حزب الأمة، فاتفقنا في ذلك الاجتماع أن نعمل إعادة لتكوين حزب الأمة، وأن نعمل دستور، وأن ننظر في كيف نختار رئيس حزب الأمة، والمكتب السياسي. أسرتي كلها كانت ترى أننا نتفق على ترشيح السيد محمد أحمد محجوب رئيساً لحزب الأمة.

منصور: محمد أحمد محجوب كان سكرتير عام الحزب.

الإمام: لا لم يكن عنده..

منصور: كان أحد قيادات الحزب وكان وزير الخارجية في حكومة الأمة.

الإمام: نعم، لم يكن عنده منصب حزبي، فكان رأي أسرتنا أن يختار السيد محمد أحمد محجوب رئيساً لحزب الأمة، وأن يختار السيد محمد داؤود أمين عام لحزب الأمة، وأن يعين مجلس الإمام المكتب السياسي. هذه كانت توصية أسرتي، فلما جئنا للجمعية العمومية الناس قالوا هذا خطأ منكم. من الذي قاد العمل السياسي إلى أن سقط نظام عبود؟ من الذي فعل كذا وكذا وكذا، نحن نقدم الشخص الذي قام بهذه الأشياء ورفع رأسنا وهو الصادق والصادق هو مرشحنا. اختلفت القاعدة مع الأسرة ورشح السيد محمد أحمد محجوب وشخصي، وأنا أخذت ۹۰ ٪ من الأصوات كذلك رشح قصاد السيد محمد داؤود

السيد عبد لله نقد لله وأيضا فاز. ثم الجماعة انتزعت حق أنها تنتخب المكتب السياسي، وقد كان. فأنا لا إمامة الأنصار ولا رئاسة حزب الأمة دخلتها بصورة وراثة. بل لما استشهد الإمام الهادي في حوادث الجزيرة أبا لم يكن هناك إمام، وكنا في ظروف أنا في السجن وظروف صعبة جدا. أنا ظللت لا صلة لي بإمامة الأنصار ولا إمام للأنصار إلى عام ۲۰۰۲م بعد أن كونا مؤتمر الأنصار هو الذي انتخب الصادق إماماً.

منصور: يعني أنت لم تنتخب إماما للأنصار إلا في ۲۰۰۲ م؟

الإمام: إلا في ۲۰۰۲ م نعم.

منصور: لكن من ۱۹٦٤ إلى ۲۰۰۲م كنت رئيسا لحزب الأمة فقط؟

الإمام: نعم.

منصور: دون أن تكون إماما للأنصار؟

الإمام: نعم، نعم.

منصور: أشكرك على هذا التوضيح لأن هذا يؤدي لفهم مسار كثير خلال الشهادة. أنت انتقلت إلى الإسكندرية لإكمال دراستك الثانوية في كلية فكتوريا التي هي المدرسة التي تخرج منها كثير ممن حكموا أو من ساعدوا الحكام العرب في خلال الفترة الماضية، أنت درست في فكتوريا بين عامي ۱۹٤۸ – ۱۹٥۰م، ورفضت تكمل دراستك لكن ما الذي تذكره من سنوات دراستك في كلية فكتوريا؟

  الإمام: أنا سعدت جدا أننا كأطفال جئنا لمصر في ذلك الوقت، يعني مستوي حضاري مختلف والتعليم في كلية فكتوريا أيضا كان مستوى حضاري مختلف.

منصور: أنت عمرك ۱۳ سنة؟

الإمام: نعم، ملابسنا مستوى عالي، وكل شيء يعني جئنا كأن التعليم في كلية فكتوريا كان فيه ترقية اجتماعية لنا، ولكن بدأت أشعر بأن الدراسة في هذه الكلية فيها عملية غسيل دماغ كبيرة جداً.

منصور: طبعا البريطانيين كانوا يقومون بها؟

الإمام: أيوة، وهدفهم أبناء الأسر الكبيرة في الشرق الأوسط، حقيقة ينجلزوا.

منصور: مين بتفتكر من أبناء الأسر الكبيرة كان بيدرس معك، الملك حسين تخرج من كلية فكتوريا وشخصيات كثيرة ورؤساء حكومات.

الإمام: نعم شخصيات كثيرة جدا كانوا هناك سعودية ولبنانية وأردنية كانوا هناك، مثلا هشام ناظر، وعادل زعزوع من الأسر المصرية إلخ، يعني عدد كبير جدا.

منصور: كان في سودانيين معك؟

الإمام: في سودانيين نعم.

منصور: بتفتكر منهم مين؟

الإمام: كان في آل أبو العلا طلعت أبو العلا، عبد السلام أبو العلا، محمد أبو العلا، يعني كان في عدد من الأسر السودانية المهم كان واضح لي أو بدا لي أن هذه..

منصور: أن تعد هــؤلاء ليحكموا العالم العربي بعدما تخرج هي (بريطانيا).

الإمام: أيوة، وأن هذه طبقة جديدة. الغريبة راودني نفس شعور (بوكو حرام) الحالية! أن هذا التعليم استلابي، وتعليم ينزعك من جذورك ومن أصولك، ولذلك تمردت. لقد تمردت على التعليم الحديث كله وليس فكتوريا فقط، واعتبرت أن هذا التعليم الحديث عملية تثاقف احتلالية. هكذا بدا لي، ولذلك بعد ذلك عندما رحت السودان تتلمذت على يد شيخ الطيب السراج وهو إنسان معادي لكل الحداثة مع أنه خريج كلية غردون في السودان، ولكنه أخذ نفس ردة الفعل ضد التعليم الحديث.

منصور: أنا هنا أمام ظاهرة غريبة جدا وهي أن الشباب في هذا السن سن المراهقة تبهرهم هذه الحياة التي كانت في كلية فكتوريا في الإسكندرية وأنت جاءتك ردة منها؟

الإمــــام: أو تــصــدهــم. الآن كثير من الداعشيين وكثير من القاعديين هم من هذا الصنف. في الأسبوع الــفــات لدينا واحـــد من أصحابنا اسمه محمد ابن مأمون أحمد مكي. نشأته كلها في خصوصيات الطبقة البرجوازية السودانية ولكنه ذهب ليقاتل مع جبهة النصرة ومات هناك، جاءهم الخبر قبل أسبوع. الآن هناك هذه الظاهرة وأنا اعتبر أنها كلها تشبه مشاعر بوكو حرام، ردة فعل بعض الناس يتثاقفوا ويقبلوا، ولكني ألاحظ كثير من الذين يتمردون الآن على فرنسا وأمريكا وبريطانيا هم الجيل الثالث، بعد أن نسوا لغتهم ونسوا دينهم حصلت هذه العملية، وأعتقد أن ما حصل لي يشبه ما يحدث لهؤلاء الشباب فقط في ذلك الوقت ما كانت هناك قاعدة.

منصور: كانت ظاهرة ولا كنت أنت لوحدك، يعني في طلبة غيرك حصل لهم نفس الشيء؟

الإمام: لا لكن هناك كثير من الناس حصل مشوا لأنصار السنة أو انضموا لجهات سلفية.

منصور: لكن أنت ألم تغضب اهلك حنيما تركت الدراسة؟

الإمام: أبي كانت سياسته فيها حكمة شديدة، اجتمع بي وقال لي يا الصادق المستقبل للتعليم راجع نفسك في هذا الموقف، ولم يضغط علي، وقد ظللت أتعلم تعليم خارج النص، خارج البوكس.

منصور: يعني غير نظامي؟

الإمام: غير نظامي.

منصور: يعني كنت تجلس على يد الشيخ؟

الإمام: أيوة نعم الشيخ الطيب السراج تتلمذت له، وهناك شيخ آخر الشيخ يوسف إبراهيم النور، وهو رجل فقيه ومتخصص قراءات، وهكذا، يعني خططت لنفسي تعليماً مختلفاً.

منصور: يعني في ذلك الوقت أنت تتفق مع المقولة التي تقول إن مناهج التعليم البريطانية في ذلك الوقت والتي عادت في هذه الأيام إلى العالم العربي كله، لم تكن تعمل سوى لتخريج جيل متفرنج بعقلية بريطانية حتى يحكم العالم العربي بعدما هؤلاء يخرجون.

الإمام: نعم وهذا يفسر كل حركات السلفية وحركات الإخوانية، كل هذه الحركات في رأيي حركات تأصيل، باعتبار أن ما يحدث لنا هو تغريب.

منصور: تفتكر الإسكندرية التي كانت توصف بعروس البحر المتوسط كيف كانت حينما قضيت فيها سنتين؟

الإمام: كانت فعلا عروس المتوسط، وكنا نحن كأشخاص آتين من خلفية مختلفة، أحيانا نذهب للبلاج، ونشهد مشاهد ما أنزل لله بها من سلطان، لأنها مشاهد غريبة بالنسبة لنا جداً لأنه حتى ذلك الوقت ما شاهدنا سيدة بالمايوه يعني وهكذا. في ذلك الوقت كانت في حالة من التغريب في مصر كبيرة جدا، يعني لا شك أن هذا ما غزى حركات الرفض، لأنه ما في شك
كنا بسهولة جدا في المناسبات الاجتماعية نشهد سيدات يرقصن مع رجال ويشربن الخمور ويدخن علنا إلى آخر هذه الأشياء، فكانت بالنسبة لنا عملية استلاب كاملة، وكان هذا مناخ مناسب للتعليم في كلية فيكتوريا الذي فيه التحضير أيضاً لنا لنكون جزء من هذه الحضارة.

منصور: من الذي أقنعك بالعودة إلى الدراسة مرة أخرى بعد هذا الرفض الذي حدث منك حينما شعرت أنك تعد لتكون بريطانياً بثوب عربي وتحكم بالعقلية البريطانية أو تعيش بها؟

الإمام: نعم، حاجة مدهشة! كنا لأسباب متعلقة بمسائل اجتماعية أنا مع الشيخ الطيب السراج نزور نادي الأساتذة في ذلك الوقت لما تسمى كلية الخرطوم الجامعية، وهنالك قابلت أستاذ مصري اسمه ثابت جرجس، كان مسئولا عن تدريس ،Zoology الزولوجي فاشتبكنا في نقاش..

منصور: الزولوجي؟

الإمـــام: الزولوجي يعني علم الحيوان؟علم الحيوان في كلية العلوم،فاشتبكنا في نقاش. قال لي أنــا أوافــقــك على أن قيمنا أو قيمك لا بد من المحافظة عليها، ولكن ألا توافقني على أن الحضارة الحديثة بالتكنولوجيا التي حققتها في المجالات المختلفة، مهما تكون قيمنا، ستتسيد علينا بقوتها التكنولوجية؟ بــدا نقاش من هذا القبيل، وأنا اقتنعت بكلامه أن الجوانب التكنولوجية هذه والعلمية لا وطن لها، ولذلك يمكن أن أقبل أن أدخل في الدراسة الحديثة بعيداً من المسائل الأدبية و..
منصور: والفكرية وغيرها يعني تدخل تدرس علوم؟
الإمام: أدرس علوم، وبالفعل هو شجعني جداً، وقال لي، كنا في فترة الكلية الجامعية كانوا في نهاية العام الأول، فجاءني بوعد إذا اجتهدت وأتيت بشهادة في العلوم، ودرست فعلاً، أنا ركزت معه وغيره لأدرس، كل المواد التي دخلت بها كانت مواد: رياضيات، رياضيات إضافية بيولوجي Biology (أحياء)، زولوجي Zoology (علم الحيوان)، بوتاني Botany (علم النبات)..
منصور: كلها علمية؟
الإمام: كلها علمية زولوجي، بوتني،
منصور: ولحقت ودخلت؟
الإمام: لحقت ودخلت، أاخدت الثانوية ودخلت الجامعة ولكن حدثت حاجة مدهشة.
منصور: دخلت الجامعة؟
الإمام: دخلت الجامعة ولكن حدثت حاجة مدهشة.
أنت دخلت تدرس زراعة؟
الإمام: انا دخلت أدرس زراعة ولكن الكلية الجامعية بتاخد الطلبة لسنتين بسموها School of Science مدرسة العلوم بعد السنة الثانية يصنفونا من يذهب للطب ومن يذهب للزراعة ومن يذهب للطب البيطري إلى آخره، فأنا دخلت في آخر فترة ونجحت وكان الوعد أن أنقل مع زملائي.
منصور: اللي هم رايحين يتخصصوا؟
الإمام: الماشين سنة ثانية وبعدها يتخصصوا، اجتمع بي مدير أو عميد كلية العلوم اسمه مستر بروفسور ساندون.
منصور: الدراسة بالانجليزي وبريطانيين برضو؟
الإمام: نعم، قال لي أنا لا أستطيع الوفاء بوعدي.
منصور: لماذا؟
الإمام: قال لي إذا أخذنا مع دفعتك ستصبح هذه سابقة وإذا صارت سابقة سيأتي آخرون ويطالبوا بنفس الحق، ولذلك مجلس الجامعة قرر ألا يوفي لك بهذا الوعد.
منصور: رغم نجاحك؟
الإمام: رغم نجاحك، خيارك تبدأ من الأول، قلت له طيب، (منصور: أكيد غضبت) يعني زعلت من كلامه لكن قلت له صحيح أنا قادر أفهم ولكن.. أدهش ما في الأمر قال لي أنا يمكن أن أجد لك مكاناً في دراسة في أوكسفورد.
منصور: في جامعة أوكسفورد؟
الإمام: نعم أنا لم يكن في مخيلتي ولا في تخطيطي (منصور: أنك تسافر؟) الإمام مواصلاً: أن أمشي لأكسفورد.
منصور: يعين هذا سر ذهابك أكسفورد ۱۹٥٤؟
الإمام: نعم هو الذي اقترح، هل يا ترى الإدارة البريطانية منذ ذلك الوقت كانوا بيفتكروا أن لدي شيء مختلف يجب أن أجند أو استمال؟ لا أدري.
منصور: لكن أنت لم يأتي في بالك أو في خاطرك أن هذه محاولة لتجنيدك من البريطاني؟
الإمام: لا ما جات في خاطري لأني كنت أعرف أن أكسفورد مع أنه فيها ما فيها، لكن اليسار وحركات التحرير فيها قوية جدا، يعني أكسفورد مجتمع فيه بالإضافة للتعليم الأكاديمي مجتمع حي جدا بكل أفكار اليسار وأفكار القومية العربية وأفكار الأفريقية إلى آخره، المهم.
منصور: سافرت بريطانيا ۱۹٥٤؟
الإمام: نعم، وكما قلت كان هناك واحد اسمه جراهام توماس، هو صديق جدي وصديق أبي، هو كان من حزب العمال، وكان عنده شغل في السودان. وأنا سني ۱۲ سنة أي سن رخوة جداً جدي أرسل لي وكانت عندي علاقات خاصة به، قال لي يا الصادق اذهب لجراهام مريض وعده بالنيابة عني، (منصور: كان في الخرطوم) في الخرطوم، وهاك هذا مبلغ اشتري له هدية فانا اشترت له أباجورة بشكل فيل، ورحت له، سلمته الأباجورة وسألته عن حاله ونقلت له رسالة جدي، فقال لي اشرب معي شاي، واشتبك معي في نقاش سياسي أكبر مني النقاش لكن على أي حال اشتبك معي فيه. بعد ذلك علمت أنه بعد هذا اللقاء كتب للسكرتير الإداري الذي هو رئيس الخدمة المدنية من الإنجليز اسمه روبورتسون كتب له تقرير قال فيه ينبغي ألا نستمر نبحث عمن هو قائد السودان في المستقبل، هو هذا الشاب.
منصور: متي عرفت بهذا التقرير؟
الإمام: بعدين بعد ما قابلته بعد ما كبرت، وأنه نشر هذا الكلام في كتاب، لكن المهم هو كتب هذا الكتاب ربما كانت هذه الفكرة موجودة عند الإدارة البريطانية في السودان. لكن على أي حال ذهبت بريطانيا لأدرس في أوكسفورد زراعة.
منصور: كان جراهام على علم بذهابك؟
الإمام: نعم.
منصور: طيب اسمح لي في الحلقة القادمة لأن هذه حاجة مهمة جداً، كون أن جراهام توماس رشحك للبريطانيين على أنك يمكن أن تكون حاكم السودان القادم، وأنك ذهبت للدراسة في بريطانيا في العام ۱۹٥٤ م وأنت لديك مخاوف من إمكانية أن يجندك البريطانيون لتعمل لحسابهم، وأن جراهام كان موجود في ذلك الوقت ولا زالت الفكرة موجودة في ذهنه، نكمل في الحلقة القادمة. أشكرك شكرا جزيلاً. كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم في الحلقة القادمة نواصل الاستماع إلى شهادة السيد الصادق المهدي إمام الأنصار وزعيم حزب الأمة في السودان. في الختام انقل لكم تحيات فريق البرنامج وهذا احمد منصور يحيكم والسلام عليكم ورحمة لله وبركاته.
الجريدة

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*