حكومة الصادق 27 يوليو 1966- 15 مايو 1967م

(نقلاً عن كتاب: الإمام الصادق المهدي سيرة ومسيرة، الجزء الأول، بينج ماريال- رباح الصادق)

 

تقلد السيد الصادق المهدي وزارته الأولى في عهد الديمقراطية الثانية: في 27 يوليو 1966، وأقيل منها في 15 مايو 1967م، وفي التسعة أشهر التي حكمها حقق الكثير وأدخل روحاً جديدة في السياسة السودانية.

وقد تقلد الصادق المسئولية في جو من الطحان داخل حزبه، وفي المنظومة السياسية مجملاً، ولكنه كان باحثاً عن إجماع، وعن ثقة، ظل ينادي بها منذ يومه الأول مطالباً بالمصالحة الوطنية، وينكر عليه قوم كيف ينادي بها وقد دكها داخل حزبه، ولكن سوف يثبت أي بحث وتقصٍ موضوعي أن الصادق لم يكن طرفاً في النزاع إلا بمناصرة الدقرطة وتأكيد أسسها. وقد ظل ينادي بالمصالحة حتى آخر يوم في حكومته، إذ تم التصويت على ثقة وتفويض طالب به لمشروعه، ولم يحصل عليهما.

لقد أثرت تجربته في العمل السياسي في بريطانيا التي أثبتت له إمكانية الإجماع القومي برغم اختلاف المشارب في تكوين ذهنيته فوق الحزبية. فنادى بالكيان الجامع في مقررات مؤتمر الجزيرة أبا إبان الحكم العسكري (1963م)، ثم نادى بذلك الكيان مباشرة بعد الثورة ولكن نداءه لقي أذناً صماء، وظل الصادق دائماً وأبداً، ينادي بإجماع قومي ويرى أن هذا الإجماع ضروري للبناء الوطني.

وإذا كانت الدعوة قد عيبت عليه حينها وقال البعض إنها من “سكرات السلطات” وقال آخرون إنها (من عبث أبناء الثلاثين)[1]، فسيرى المتتبع أنه نادى بذلك قبل تقلد السلطة ومنذ الحكم العسكري، كما أنه ظل ينادي بها حتى الديمقراطية الثالثة التي تقلد إبانها الحكم من جديد.

إن تركيبة السياسة السودانية الاستقطابية الحالية لا بد أن تدرك يوماً أن الحل فيما نادى به الصادق، وأن السودان لن يعبر ما لم يتجاوز تجربة الطحان الحزبي إلى التوافق.

استمع للصادق في إحدى ندواته وهو يتحدث عن ضرورة التوافق الوطني للبناء ولنجاح أية سياسة اقتصادية:

(لا يمكن أن نحقق أي تطور اقتصادي إطلاقاً ولا يمكن أن نوقف التدهور المالي إطلاقاً إلا إذا كانت هناك قيادة سياسية تستمتع بثقة معلومة محددة.. وإن لم يوجد ذلك فإن عدم وجود قيادة سياسية تستمتع بثقة المواطنين هو الباب الأول لعدم التوفيق والبقاء فيما نحن فيه من  المشاكل. وذلك أن المشروع الذي تحدثت عنه كثيراً وظنه الناس خيالاً.. وهو مشروع المصالحة الوطنية، في الحقيقة أن هذا المشروع لم يقصد به إلا محاولة أن نوسع قاعدة الائتلاف القائم، والائتلاف القائم سائر،..، سيراً حسناً قوياً قويماً، ولكن نحن ندرك حتى في الائتلاف أن هناك ضرورة لتوسيع قاعدة هذا الائتلاف في ما سميناه مجملاً بالمصالحة الوطنية.. بعض الناس ظن هذه المصالحة الوطنية أسلوباً تكتيكياً لكي نعمل به شيئاً، والآخرون أخذوا فيه مسالك مختلفة، وكل إنسان صوره بصورة يريدها. والحقيقة أن المصالحة الوطنية. هي دعوة لتوسيع قاعدة العمل السياسي بأمل أن تخلق البيئة التى تمكن قيادة سياسية سودانية من أن تقوم بمهام البناء.. فإن أمكن ذلك أمكننا أن نبني الوطن، وأن نعمل جميع الإصلاحات الاقتصادية اللازمة وأولها إيقاف التدهور المالي،..، والديمقراطية التى نستمتع بها الآن لا يمكن أن تعيش وتبني وتستمر إلا في جو من التفاهم والوفاق والمصالحة والاتفاق على الأقل بين القوى ذات الوزن في المجتمع السوداني،..، فإذا أمكننا البناء في ظل الديمقراطية مع ما يستوجب ذلك من إجراءات أمكن للسودان أن يحرز نصراً آخر وموقفاً آخر غير مواقفه الأخرى التى حقق بها وقفاته التاريخية الكبرى وهو أن يحقق البناء، وأن يحقق تطوير الاقتصاد في ظل الديمقراطية).

لم يحصل الصادق في الستينات على حكومة المصالحة الوطنية التي حلم بها، ولكنه تقلد الحكم وثلث هيئة حزبه البرلمانية منشقة عنه يباركها إمام الأنصار، وهو في ائتلاف مع الحزب الوطني الاتحادي برئاسة السيد إسماعيل الأزهري الذي سار معه هوناً ما، ثم خشي من سيره الفتي المجدد المجد، وعاد إلى قديمه.

وكانت حكومة المحجوب الائتلافية بين حزب الأمة الموحد والوطني الاتحادي بزعامة الأزهري والتي سبقت حكومته أقيلت في 25 مايو، وكانت الحكومة الجديدة مولودة من تلاقي الخلاف داخل حزب الأمة بخلاف المحجوب مع الأزهري حول تمثيل السودان في المنابر الدوليةً، فأعقب إسقاط حكومته تفاوض حول تكوين الحكومة الجديدة في الفترة حتى انتخاب السيد الصادق رئيساً للوزراء في 27 يوليو 1966م.

واستقر الرأي على أن تكون الحكومة مستندة على ميثاق الائتلاف القائم بين حزبي الأمة والوطني الاتحادي مع مراجعته في بعض البنود.

في كلمة السيد الصادق التي تلت انتخابه، قال: (سنتقدم ببرنامج موقوت محدد، يحدد كل ما نود أن ننجزه في الفترة الانتقالية القادمة وهي فترة قصيرة فسنلتزم فيها بأشياء محددة وموضحة، ونقوم إن شاء الله بتنفيذها في تلك الفترة، ملتزمين بأوقاتها ونصوصها وتفاصيلها، فيما يتعلق بمراجعة الميثاق الذي كان يربط وما زال يربط الحزبين المؤتلفين وتحديد ما تم تنفيذه منه وما لم ينفذ، وتنفيذ ذلك على الوجه الأكمل الصالح. وكذلك أن نعالج أسقام البلاد في الأوضاع المحددة الآتية: في الإنتاج، وفي مسألة الأمن، وفي مسألة الجنوب، وفي مسألة تنقية المجتمع مما فيه من أوشاب وضلالات، وفي مسألة اتجاه الحركة النقابية والفئوية وتنظيمها، وفي مسألة الحياة المخططة اقتصادياً واجتماعياً، وفي مسألة خلق وعي إقليمي لدى قمة المسئولين يعالج الفجوة التي تعيش بين المسئولين في الخرطوم وبين الذين يعيشون في الأقاليم، ويجعل القاعدة والقمة في تجانس ووئام.. وكذلك فيما يتعلق بمسألة الاتصال العام والرأي العام والصحافة، ففي هذه النقاط التي حدث فيها اضطراب وحدثت فيها أشياء تحتاج إلى تدقيق وتوضيح فإنا إن شاء الله نلتزم ببرنامج محدد موقوت بأوقاته وظروفه ونعمل إن شاء الله وبتوفيق منه على تنفيذ ذلك البرامج في الفترة القصيرة القادمة التي ستكون إن شاء الله موقوتة محدودة.)

قال دكتور الفاتح عبد الله عبد السلام: (كون الصادق –رئيس الوزراء الجديد- حكومته من عناصر مقتدرة ونزيهة وذهب إلى حد الاستعانة بخبراء فنيين من خارج حزب الأمة).[2]

وفي مستهل أول خطبة له داخل البرلمان أشار السيد الصادق إلى أنهم خاضوا معركة لتثبيت الديمقراطية داخل كيانهم السياسي، قائلاً:

(إننا يا سيدي الرئيس قد خضنا في الأيام القليلة الماضية تجربة نادرة، تلك تجربة العمل على توطيد أركان الديمقراطية في الأحزاب السياسية الكبرى وعلى رأسها الحزب الذي كانت تدور التجربة في داخله.. إننا ما لجأنا لهذه الجمعية لتحسم أمورنا ولتضع فيها كلمتها القاطعة إلا بعد أن وجدنا عزوفاً أكيداً عند بعض زملائنا ألا يستمعوا لرأي الجماعة وألا يقدروه وألا يتبعوه)..(كانت المحنة التي اضطرارنا لخوضها قاسية – قاسية – لكن فيها صراعاً بين أفكار معددة وولاءاتٍ متعددة ولأن فيها خلافًا بين جماعة كانت تعيش في جو سياسيٍ واحد وبيئةٍ سياسيةٍ واحدة، فانطبق فيها الحرج الذي ينطبق في نفس من قال:

قومي وهم قتلوا أميمة أخي               فإذا رميت يصيبني سهمي)[3]

والحقيقة فإن الكتاب الذي يحوي خطب، ومحاضرات، وندوات السيد الصادق المهدي كرئيس للوزراء في العام 1966م يعد من الكتب المدهشة إذا استحضرت عمر ذلك الرئيس الشاب وكان في الثلاثين من عمره، ثم اطلعت على خطبه وفكره الناضج وروحه الخلابة. وإن كان ما يعيبها أنها نشرت بدون تحرير مناسب ففيها تكرار ناجم عن الأصل الشفاهي للخطب، إلا أن خط المعني الواصل يجعلك مأخوذ بالصادق في عهد الشباب.

والحقيقة أن في هذه البلاد سر ولا شك يجعل بعض شبابها عجيب في فكره وفي جده وفي همته، فلو استحضرت سيرة الإمام المهدي كقائد ومفكر، أو قرأت لمعاوية محمد نور بين الأدباء، أو تابعت إنتاج خليل فرح بين الشعراء والمغنين سوف تعجب لذلك النضج المكتمل في سن صغيرة. هذا الإعجاب يلاحقك وأنت تتتبع نهج وفكر الصادق في الستينات.

في تلك الخطبة الأولى وبعد أن يذكر حرجه مع قومه يقول إنه عزم على السير هو وجماعته غير آبهين بالهمز واللمز (شأن المقنع الكندي:

وإن الـذي بيني وبين بني أبـى     وبين بني عمى لمختلف جــداً

فإن أكلوا لحمى وفرت لحومهـم     وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً

وإن زجروا طيراً بنحس ألم بي             زجرت لهم طيراً تمر بهم سعـداً

ولا أحمل الحقد القديم عليهمو     فليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

إن المرحلة القادمة بعد هذه التجربة تواجهنا بتطلعات عديدة. فأوجه أكتوبر الثائرة المتحركة التي كانت تناشدنا دائماً وتقف في جانبنا كلما واجهنا محنة أو مشكلة تطلب منا الكثير جداً من إنجازات وأعمال، ولذا مع أنى سوف ألجأ لبحث دقيق أنا وزملائي من أعضاء الحزبين المؤتلفين حزب الأمة والوطني الاتحادي، وسنخاطب هذه الجمعية مخاطبة واضحة بما نود أن نعمل مدقـقين مفصلين موضحين ملتزمين، إلا أنه لا يعذرنا أحد إذا لم نشر إشارة واضحة عابرة في هذه المرحلة الأولى قبل مرحلة التدقيق ومرحلة الالتزام بتوضيح معناها، وأن يحاسبنا إن أخطأنا)[4].

والحقيقة إن كل الذين أرخوا لتلك الفترة أكدوا على أن الصادق كان يعف عن الخوض في أية إساءة لأهله الذين اختلف معهم خاصة الإمام الهادي المهدي. فقد ذكر دكتور الفاتح عبد السلام أنه في قمة الخلاف لم يلوّح بمعارضة لإمامية الإمام الهادي.

ويروي العميد يوسف بدري زيارة له للصادق بعد تقلده رئاسة الوزارة في مكتبه بوزارة الإعلام والشئون الاجتماعية، وأنه قال له: (عمك هو الضعيف الخائف وأنت الآن القوي الأمين فاعمل على هذا الأساس، فأجاب: نعترف بأنه وضع قائم، لكنه كان غير متحمس للكلام عنه أو في خصوصه، لا أدري زهجاً أم يأساً أو تخوفاً من أن يسمع حديثاً ربما يؤثر على رأيه)[5].

اتفق الصادق مع السيد إسماعيل الأزهري علي مراجعة ميثاق الائتلاف بما يضع أولويات للحكومة أهمها الملف الاقتصادي، وقضية الجنوب، والدستور كما أسلفنا، وكذلك على ضرورة إشراك دماء جديدة في الطاقم الوزاري مما أدى للتجديد حتى بين وزراء الوطني الاتحادي، وحينما أعلن الصادق حكومته داخل البرلمان ذكر الوزراء المختارين وأن أحدهم مستقل، كما ذكر الطريقة التي تم بها اختيار الوزراء الجنوبيين:

(بني وطني: أود هذا الصباح أن أنقل إليكم نبأ تكوين الحكومة الائتلافية الثانية وأعضاؤها وهم السادة: عبد الله عبد الرحمن نقد الله، أحمد بخاري، أحمد إبراهيم دريج، عمر نور الدائم، محمد الحلو موسى، حمزة ميرغني وهو مستقل وقد وصل بالأمس ونحن ننتظر تأييد قبوله بعد لحظات، إبراهيم المفتي، محمد أحمد المرضي، نصر الدين السيد، حسين الهندي، مأمون سنادة، عز الدين السيد، حسن عوض الله، جار فيس ياك، واراب أكيج يير، وأن السيدين جار فيس ياك واروب أكيج  يير يمثلان مواطنينا في المديريات الجنوبية كما ينص على ذلك الدستور).. (هذه الوزارة المكونة من ستة عشر شخصاً بما فيها رئيس الوزراء يوضح أن عملهم في الوزارة في الماضي كان بيانه كالآتي: تسعة منهم لم يسبق لهم الاشتراك في وزارة، وستة منهم كانوا أعضاء في الحكومة الماضية، وواحد منهم سبقت له التجربة الوزارية وذلك في جزء من حياة الوزارة الماضية، ولقد عمدنا إلى طريقة  جديدة لاختيار ممثلي مواطنينا من الجنوب وذلك بعد أن اتفقت الأحزاب المؤتلفة على مبدأ إشراكها وذلك باختيار اثنين منهما من بين موظفي الخدمة المشهود لهم بالكفاءة والمعرفة، اتصلت بالأحزاب الجنوبية المختلفة وشرحت لهم الظروف التى تحول دون تمثيل الأحزاب الجنوبية أولاً لكثرة عددها وثانياً لأنه ينتظرها خوض انتخابات في المديريات الجنوبية، فأوضحت لهم أن أسلم طريق اتفق عليه الحزبان المؤتلفان هو أن يمثل الجنوبيون عن طريق مستقلين يختارون من الخدمة المدنية ممن يشهد لهم بالنزاهة والولاء للبلاد والمعرفة والتعليم، وإني سوف أتبع فيما يتعلق بالصلة بمواطنينا من الجنوب، أسلوب المشاورات السياسية والاتصال الدائم، كذلك سأنتهج هذا النهج في الصلة بمختلف الهيئات السياسية السودانية لإتاحة الفرصة لمن يتقدم بأن يتقدم به في نطاق مسموع معلوم معترف به، وكذلك لتشرح وتوضح لهم الاتجاهات المختلفة التى تنتهجها الحكومة الائتلافية إن شاء الله.)

كما بيّن في نفس الخطاب المهام الرئيسية التى تنتظر حكومته بالتالي:

أولاً: إيقاف التدهور في أحوال البلاد الاقتصادية وأحوال الخدمة المدنية وأحوال البلاد عامة.

 ثانياً: الالتزام بإنجاز أشياء محددة تبين وتوضح وتؤقت.

ثالثاً: العمل للتمهيد لقيام مجتمع مسلم.

رابعاً: إجراء تحول في مسلك الحل في مشكلة الجنوب بما يمكن من الإسراع بإعادة الأمور لمجاريها وكذلك إعطاء مشاكل الأقاليم المختلفة اهتماماً بالغاً ونظرة خاصة.

خامساً: الاهتمام بالجمعية التأسيسية وتنشيط تلك الجمعية تنشيطاً يمكن أعضاءها من المساهمة الموفقة الناجحة في سيرها وعملها.

سادساً: العمل على تقوية ائتلاف الحزبين هذا الائتلاف الذي نأمل أن يكون نواة للمصالحة الوطنية لا عزلاً للمواطنين الآخرين إن شاء الله.

سابعاً: أن تحدد وتنجز سيادة السودان على موارد بلاده المختلفة.

ثامناً: كتابة الدستور الدائم للبلاد في الفترة الوجيزة القادمة إن شاء الله[6].

إن أهم ملامح الحكم الصادقي في الستينات هي أنه  استحدث نظاما مأخوذاً من التجارب الديمقراطية العريقة يعضد التنسيق بين الحكومة وبين البرلمان، وعبره دفع مجهودات كتابة الدستور الدائم حتى كاد يكتمل، واتخذ نهجاً قومياً بتعيين السيد حمزة ميرغني حمزة (المستقل) وزيراً للمالية في منصب من حظ حزبه بل هو من أهم المقاعد في الحكومة، واتخذ نهجاً ديمقراطياً شهد به الوزراء من خارج حزبه، ومدروساً حيث أدخل لأول مرة في تاريخ الحكم المستقل الميزانية المقيدة للصرف الحكومي والتي تناقش بروية ويلتزم بها، إضافة لإدخال مؤتمرات أركويت لبحث القضايا الوطنية قومياً، كما التزم بنهج شفاف فأوقف منافذ الفساد الإداري والمالي وتصدى لها، والتزم العدالة مهتما بقضايا الأقاليم النائية والرقي بالخدمات فيها.

وركز على الجنوب صاحب المظلمات التي جعلت أهله يحملون السلاح، فسعى بكل جدية في حل مشكلة الجنوب سياسياً لا عسكرياً، واهتم بمجهودات لجنة الاثني عشر وامتدحها باعتبارها عملاً يفتخر به ودفعها بعد أن لقيت إهمالاً، ثم عقد مؤتمرات للجان أمن المديريات الثلاث في الخرطوم في أغسطس 1966م، ومؤتمر جميع الأحزاب السياسية لحل القضية في 17 أكتوبر 1966م، وعمل على استقرار الجنوب، وفي الفترة القصيرة التي تولاها عاد الاستقرار نسبياً وعاد كثير من اللاجئين، ثم نظم طوافاً طويلاً في الجنوب في شهري أكتوبرو نوفمبر 1966م في إطار حملة تعميرية تبدأ بتفقد الأحوال، وكان مصحوباً بعدد من الوزراء وقوبل بترحاب شعبي كبير ولقبه الدينكا “بينج ماريال”، وكان حينها في تحالف قوي ضمن “مؤتمر القوى الجديدة” مع الزعيم الجنوبي الأكثر شعبية حينها (الشهيد وليم دينق). كما قام بطواف في الأقاليم لمعرفة قضايا الناس والتصدي لها.

وأعاد تنظيم الوزارات لتعمل بكفاءة، وكون لجنة لإصلاح الخدمة المدنية بدأت عملها بدراسة مشاكل الخدمة المدنية للتوصية بالسياسات المطلوبة، واستحدث وزارة التعاون والعمل للتنظيم الأمثل للطاقات العاملة، ووزارة الصناعة والتعدين التي جاءت بروح جديدة وأسلوب حديث وعقدت بروتوكولاً مع رومانيا للتنقيب في البترول، وواجه الأزمة الاقتصادية بالحد من البذخ في الصرف الحكومي وكان يتبرع براتبه لجامعة الخرطوم، واتخذ سياسة فاعلة لتسويق القطن السوداني، وقوّم مشروع الجزيرة، وأنجز مشاريع محاربة العطش، واهتم بتطوير القطاع الرعوي والزراعي المطري التقليدي، ومضى في مشاريع المسح الزراعي في جبال النوبة وأعالي النيل، وكون اللجنة العليا لشئون الإعلام  لتدير الإعلام قومياً، شملت عضويتها جميع قطاعات المجتمع لتخطيط سياسة الإعلام وتوجيهها نحو الأمة وأهدافها، وعمل على تدعيم الإذاعة وتقويتها.

وهكذا في كافة المجالات قدم أداءً نظيفاً مدروساً مهموماً بقضايا المواطنين، بهر الناس وألب ضده تكالب حزبي مضاد. ذلك أن حليفه الوطني الاتحادي خشي على سيره في هذا المركب الذي سوف يفضح السياسة بشكلها القديم ويجعل الصادق وارثاً لجماهير الوسط التي يعول عليها، فأعرض عن حلفه وتكتل مع الآخرين لإسقاطه.

ولما رأى الصادق ذلك طالب البرلمان بتجديد الثقة في حكومته لتمضي في خطتها الطموحة وبرغم انشقاق حزب الأمة آنذاك، ووقوف جزء من نواب الحزب ضده إلا أنه فقد صوت الثقة بفارق 16 صوتا فقط فقد وقف إلى جانبه عدد من النواب ضد موقف أحزابهم، وبكى حكومته الرأي العام المستقل باعتبارها أنجح حكومة عرفها السودان المستقل.

 

الحكم إبان الديمقراطية الثالثة مايو 1986- 30 يونيو 1989م

(نقلاً عن كتاب الإمام الصادق المهدي سيرة ومسيرة: الجزء الثالث، الصادق أمل الأمة ولكن، رباح الصادق).

\لقد انقض العسكر على النظام الديمقراطي في 25 مايو 1969م حيث كان رئيس الوزراء حينها السيد محمد أحمد محجوب قد تقدم باستقالته خالقاً فراغاً دستورياً، وفي ستة عشر عاما سام النميري ونظامه البلاد قهراً وعسفاً وتردياً اقتصادياً حتى اشتعلت الانتفاضة المباركة ضده في مارس وظفرت في أبريل 1985م، وحينما أجريت انتخابات عامة حرة حاز حزب الأمة برئاسة الصادق أعلى المقاعد وإن لم يحز أغلبية تجعله يستطيع الحكم منفرداً، فشكل عدداً من الحكومات التي تعاقبت حتى انقضاض العسكر من جديد في 30 يونيو المشئوم.

لقد كانت الآمال المعلقة على تجربة الديمقراطية تبلغ عنان السماء، فالسيد الصادق قال في تصريحات صحفية بعد إعلان نتائج الانتخابات (إن التجربة الديمقراطية الثالثة هي تجربة سودانية خالصة، وإنها تمثل هدية العبقرية السودانية لبلدان العالم الثالث، وأن الكثيرين يرون قبل البدء في التطبيق أن التجربة السودانية ستكون أملاً ومخرجاً لأزمة الحكم في بلدان العالم الثالث)، وعلق الدكتور محمد علي جادين بقوله: لا شك ان هذا الحديث يعكس ثقة عالية بالنفس وإصراراً عنيداً على كسر الحلقة الشريرة.. فكيف تسلسلت الأمور حتى أعدنا الحلقة من جديد؟[7]

وكما ذكرنا حول عدم نيل أغلبية مريحة في الانتخابات، فإن نتيجة الانتخابات وضعت السيد الصادق في مأزق كبير.

لقد أعطاه الشعب تأييداً مقدراً، ولكن بدون أن يكون قادراً على تكوين حكومة منفرداً. بل إن السودان كبلد غزير التنوع شديد الاستقطاب سوف يصعب أن يعطي حزباً أغلبية مريحة.. صحيح نالها الزعيم الأزهري عشية الاستقلال ولكن ذلك كان بتضافر ظروف عديدة: قانون انتخابات منحاز للمدن مهمش للريف، دعم مصري مالي وإعلامي غير محدود، علاوة على براعة الأزهري في الدعاية السلبية وفي تخويف المراكز الحضرية من (ملكية مهدوية)، فنال ثقلاً برلمانياً لا يعكس ثقله الشعبي بحال[8]. ولكن وبسبب الاستقطاب داخل حزبه ذاته سرعانما انشق الحزب واستطاع الحزب المنشق (الشعب الديمقراطي) أن يكون حكومة مع حزب الأمة يقصي فيها الأزهري صاحب تلك الأغلبية.

مأزق السيد الصادق الكبير كمن ليس فقط في النتيجة غير الحاسمة، بل في الزمن الحاسم. لأنها أول انتخابات بعد الانتفاضة حيث البلاد خارجة للتو من ممارسات وسياسات الطاغية التي مزقت اقتصادها وجعلته مستنزفاً عبر شبكة فساد طفيلية سرطانية ملتفة، وأقحمت عليها تشريعات سبتمبر الجائرة لعباً باسم الدين، وأولجتها في حرب أهلية جديدة أشد أواراً وأبعد أثراً مندغمة في نظم نزاع الإقليم بل صارت جزء من منطق الحرب الباردة عالمياً، وهذا يعني أن الحرب صارت أعصى على قدراتنا الوطنية في التفاهم والحوار، فالزمن الحاسم فرض سياسات معينة للخروج من الأزمة، سياسات تنقض الغزل المايوي، بينما الصندوق الانتخابي أعطى ثقلاً كبيراً لجهات ترفض شعارات الانتفاضة بحدة مثل الجبهة الإسلامية القومية، أو على استحياء وبمناورة كالحزب الاتحادي الديمقراطي، وهاتان الجهتان لا يمكن استبعادهما سوياً عن أية صيغة حكم.

قال السيد الصادق وهو يروي شهادته على العصر:

(لما انتهت الانتخابات علمت أن السيد محمد عثمان الميرغني والدكتور حسن الترابي اجتمعا وعملا ائتلاف، واتفقوا على: لا للقصاص الشعبي، لا لإلغاء قوانين سبتمبر، لا لاتفاق كوكادام. وندخل الحكومة معاً أو نقف في المعارضة معاً. اتفاق وقع عليه أمين عام الحزب الاتحادي الديمقراطي والدكتور حسن الترابي. أنا جئت لحزب الأمة عندنا 101 مقعد، وقلت لهم الآتي: هؤلاء السادة نصبوا لنا شركاً، أنا اقتراحي هو الآتي إما نعمل حكومة مؤقتة انتقالية لكل الجمعية كل 10 نواب في الجمعية لهم وزير، الجمعية كلها في الحكومة، (إذا كان) دة مستحيل نقف في المعارضة. خلي من يسوي الحكومة يسويها، لكن نحن نقف في المعارضة عشان نحافظ على وضعنا وعلى مبادئنا. حزب الأمة رفض كلامي.. قالوا لا، نحن طبعاً لا يمكن أن نعمل تحالف مع حسن الترابي، ونفضل مهما كانت الشروط أن نعمل ائتلاف مع الاتحادي الديمقراطي).

لقد قال السيد الصادق في شهادته على العصر إن قرار الحزب كان خطأ تاريخياً، وإن الأفضل كان إما تكوين حكومة كل الجمعية أو الجلوس على مقاعد المعارضة.

السؤال هو: هل كان الأفضل لحزب الأمة فعلاً أن يقف في المعارضة  ملتزماً بمبادئه، ويدع من يكون الحكومة يكونها كما يريد؟ أم أن يحاول تكوين ائتلاف بأي ثمن على حساب مبادئه المعلنة ثم يحاول أن يحقق مكتسبات لتلك المباديء من خلال ذلك الائتلاف برغم تنازله المبدئي؟

إنها ورطة.. في زمن وطني صعب.

السيد جراهام توماس ذكر مناقشاته مع الدكتور عمر نور الدائم، رحمهما الله، والذي برأيه كان على يقين تام بأن الصادق هو (الشخص القوي الوحيد) المتوفر آنذاك لمهمة الحكم، قال: (كنت من جانبي أعارض فكرة أن يتولى الصادق الحكم، وكان أخوه صلاح الصديق يتفق معي في ذلك. أما المناقشة التي سقتها في الوصول إلى هذا الرأي فكانت كما يلي: أياً كان الذي سيتولى الحكم فإنه سيجد نفسه مضطراً لمجابهة شبكة مخيفة ومعقدة في مجال الاقتصاد وفي كل مجال آخر، ومن ثم فإن أي رجل بمفرده لن يستطيع النجاح في ذلك، وأنا أخشى على الصادق أن يتشوش ويضطرب أمام تعقيدات الحكم، ثم يجري إسقاطه بعد ثمانية عشر شهراً ويغدو ملوماً لعدم القدرة على محو فساد 16 عاماً من الديكتاتورية. وكان الاقتراح الذي دعوت إليه أن يوضع شخص آخر في سدة الحكم، فيما يركز الصادق تفكيره على مدى أوسع من “بالوعات ود مدني” وهذه هي العبارة التي استعملتها آنذاك)[9].

ثم ملاحظته الأخرى المهمة حول نزيف العقول في السودان وغياب الخبرة الوطنية بالخارج، وتجفيف الأحزاب بالتالي من قيادات ذات دربة.. وكل ذلك معروف من آثار الشمولية مما وصفه الدكتور عبد الوهاب الأفندي في مقاله (باكستان والتداوي بالتي كانت هي الداء) وتأكيده أن طول الفترات الشمولية بسدها شرايين العمل ومتنفسات التطور تعمل على تقزيم الأداء الوطني في المجتمع وأحزابه ككل.

ولكن هل كان الصادق يملك رفاهية خيار البقاء في كرسي المعارضة أو أن يترك تولي الحكم لغيره في غياب دربة وكفاءة مماثلة؟ ألم يقلل بحكومته من الأثر المايوي وسدنته حتى وهم مؤتلفين معه بين كراسي الحكم ودسته؟ هذا ما سوف يصدر حكمه التاريخ.

إن التحديات الجسام أمام الوطن كانت تقتضي استخدام كل الطاقة الوطنية الموجودة للبناء وعكس آثار مايو المدمرة.. ولكن مهما كان فإن فكرة الحكم برئيس وزارة آخر من حزب الأمة ما كانت لتكون ذات جدوى. إذا كنت ستدخل منافسة خطيرة في أي دوري نسبة الفشل والنجاح فيها متساويتان فإن غياب كابتن الفريق حفاظاً على سمعته ستكون خطوة أنانية من الكابتن، تؤكد خسارة الكابتن في مقياس الأخلاق العامة، وخسارة المباراة معاً.

إن حكم السيد الصادق استمر هذه المرة منذ تولاه في السادس من مايو 1986م حتى انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م أي لمدة ثلاث سنوات. ولكن خلال هذه الفترة تغيرت الحكومات التي رأسها الصادق وشكل الائتلاف فيها،  فبدأ مؤتلفاً مع الاتحادي الديمقراطي وأحزاب جنوبية، وحصل تعديل في هذا الائتلاف. ثم تم فضه وتكوين حكومة دخلت فيها الجبهة الإسلامية القومية إلى جانب الاتحادي الديمقراطي مع أحزاب أخرى أصغر فصار ائتلافاً سباعياً، ثم خرج الاتحادي لتكون الحكومة اقرب للائتلاف بين الأمة والجبهة، وهي الحكومة التي واجهت معارضة متصاعدة من الرأي العام وقدمت خلالها مذكرة القوات المسلحة، وجرت مشاورات عديدة وصولاً لتوافق حول الحكم الذي توسع أخيراً ليشمل الجميع خلا الجبهة الإسلامية القومية التي نفذت انقلاباً أطاح بالديمقراطية وأتى بعهد السواد والرماد، فمزق البلاد وأذل العباد وهجّرهم في أصقاع الدنيا، ولا يزال كاتماً على أنفاس الوطن.

لقد كان الوضع الاقتصادي الموروث من العهد المايوي متدهوراً للغاية بعجز دائم في الميزان الداخلي والخارجي، وتدنٍ خطير في الإنتاج والاستثمار، وزيادة في التضخم، وتوقف تام للتنمية، ودين خارجي مقداره 13 مليار دولار يتزايد مع الفوائد السنوية ككرة الثلج المتدحرجة في الجليد، وتغريب للثروة الوطنية، وانهيار في الخدمات الاجتماعية، وانهيار لقيمة الجنيه بعجلة خرافية.

كانت الديون الخارجية على السودان من فرط كثرتها وهمجية مستلمها غير مرصودة، وقد شكلت عائقاً أساسياً للتنمية وصارت على رأس قائمة هموم الحكومة الديمقراطية.

لقد هال السيد الصادق نفسه المشهد حينما رآه عن قرب فقال في نهاية الشهر الذي تسلم فيه الحكم: (نشعر كأننا نحمل الماء لنطفيء النيران التي اشتعلت في القطر، في أجهزته، في وسائل إنتاجه، في أمنه، في خدمته المدنية، في أقاليمه، في قواته النظامية، في كل المجالات.. كلها قد أصابها التلف وأصابها التخريب. أنا شخصياً كنت في رئاسة الوزارة قبل عشرين عاماً، ولي إذاً معلومات وذكريات يمكن أن تكون أساساً للمقارنة، وبالمقارنة أرى تدهوراً فظيعاً لم أكن أتصوره رغم ما كنت أتوقع من مشاكل ومن تدنٍ)..(السودان الذي نراه الآن شيء آخر، سودان معجز في كل مرفق من مرافقه، مؤسسات القطاع العام عالة على الاقتصاد الوطني، الشيء الذي نعتمد عليه في حياتنا داخلياً وفي استيراد ما نريد من الخارج هو التسول والاستجداء. أجهزتنا منهارة وحالتنا بهذه الصورة لا ترضي ولا يمكن لمواطن يحترم نفسه أولاً ويحترم وطنه ثانياً أن يقبل هذا المنظر القبيح أن يسمى السودان. ولذلك صار واجباً علينا جميعاً أن ننادي بعضنا بعضاً ونناجي بعضنا بعضاً ونقول هلموا إلى صلاح وفلاح للخروج من هذا المستنقع الذي تردينا فيه عبر سنوات الضياع التي عشناها. ولكي نخوض هذا المستنقع ونخرج منه المسئولية تقع علينا جميعاً فرداً فرداً. الحكومة وحدها لا تستطيع أن تخوض هذا المستنقع إذا لم يقف معها في كل جزء من سياساتها وأعمالها شعب واثق في خطاه مؤمل في مستقبله واثق أنه بعناية الله وبعمل العاملين يمكننا أن نتغلب، ففي نهاية المطاف رأسمالنا الأساسي وزادنا الأساسي وعتادنا الأساسي هو المواطن السوداني)[10].

وإذا قدّر لأية مقارنة أن تتم بين أداء حكومة الديمقراطية وما سبقها (العهد المايوي)، أو تلاها (العهد الإنقاذي) فسوف تكون النتيجة لصالحها بما لا يدعو مجالاً لشك. مع أنها لم تحكم سوى ثلاث سنوات فقط (بينما نظام مايو حكم 16 عاماً ونظام الإنقاذ 26 عاماً حتى الآن نرجو ألا تزيد)، ولم تكن فيه جهة حاكمة مالكة أمرها فالائتلاف بطبعه بطيء وفيه أرباب متشاكسون، ولكن المنهج الديمقراطي برغم ذلك التشاكس والمؤامرات، وبرغم الجيوب الشمولية (التي كان يطلق عليها لفظ السدنة) المتنفذة إعلامياً ومالياً بشكل كبير، استطاع أن يثبت أنه الأنسب لبلادنا، والأجدى تنموياً واقتصادياً، ناهيك عن إنسانياً بشيوع الحقوق الإنسانية طراً.

ففي السنين الثلاث التي حكم فيها السيد الصادق استطاعت الحكومة بقيادته أن تخفض عجز الميزانية في العامين الأولين وتراجعت في السنة الثالثة بسبب الزيادة الاستثنائية في الصرف لمواجهة كارثة السيول والأمطار 1988، وزيادة الفصل الأول من الموازنة لمقابلة ارتفاع الحد الأدنى للأجور وإزالة المفارقات فيها، وزيادة الصرف علي النازحين، وعبء الإنفاق الدفاعي الإضافي. ثم عاد النمو للصعود في العام الأخير. وارتفع الصادر حتى بلغ 700 مليون دولار في ذلك العام.

وارتفع نمو الدخل القومي في سنوات الديمقراطية فبعد أن كان سالباً في آخر العهد المايوي (-6.3%.) فإنه صار موجباً في سنوات العهد الديمقراطي مع تدن في عام السيول والفيضانات سرعانما تم تجاوزه واستئناف التصاعد: في عام 1986م كانت نسبة النمو 4.5%، وفي عام  1987: 14.2%، وفي عام 1988 كانت سالبة -0.3%، وفي عام 1989 ارتفعت بصورة جيدة 8.9%. ثم عاد النمو للسالب مباشرة بعد زوال الحكم الديمقراطي في أول عام للانقلاب الإنقاذي 1990 فصارت نسبة النمو -5.5%.[11] وهذا بحسب مؤشرات البنك الدولي أما مؤشرات صندوق النقد الدولي فأفضل من ذلك وهي موجودة بكتاب السيد الصادق: الديمقراطية في السودان.

أما في الإنتاج فقد اتبعت سياسات تشجيعية ووزعت البذور المحسنة مجاناً ودعمت أسعار المحاصيل مثلا في عام 1987م كان الدعم 1.4 مليون جنيهاً[12]، حيث تم توزيع البذور المحسنة مجاناً للمزارعين والمنتجين في القطاع المطري التقليدي ذي الإمكانية الإنتاجية الأكبر وهو القطاع الذي عانى التهميش وكان موطن الفقر على مر العهود ولكن العهد الإنقاذي الحالي بلغ الذروة في إهماله مما فجر حروب التهميش في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. فكانت الحكومة تنثر البذور بالطائرات في كردفان ودارفور وغيرهما من مناطق الزراعة المطرية التقليدية. ودعمت الحكومة المنتج الفقير فكانت تشتري الإنتاج بضعف سعر التكلفة في زمان الوفرة الذي تتدنى فيه الأسعار لما دون سعر التكلفة أحياناً، ففي عام 1988-1989م حينما كانت الإنتاجية ضخمة إنهارت أسعار الذرة فكلفت الحكومة لجنة برئاسة محافظ بنك السودان المرحوم مهدي الفكي الشيخ لبحث كيفية التعامل مع القضية، وروى المرحوم الفكي كيف طاف بمناطق الإنتاج للوقوف على الأوضاع بنفسه برغم اطلاعه على التقارير التي أكدت انهيار سعر الذرة، وتوصلت لجنته لأن متوسط تكلفة إنتاج جوال الذرة كانت 17 جنيهاً، فاشترت الجوال من المزارع بمبلغ 34 جنيهاً أي ضعف ثمن التكلفة، وخزنت المحصول تخزيناً جيداً فكان العائد خيراً على المزارعين الذين جددوا آلياتهم الزراعية مع الإنتاج الضخم والأسعار المجزية، وصار المخزون الإستراتيجي للدولة كبيراً. ولك أن تقارن بما صنعته الإنقاذ في موسم 2005-2006م حينما انهارت أسعار الذرة لوفرة الإنتاج وقد كانت تلك أيام الريع البترولي المتألق، لكن حكومة الإنقاذ بالمقابل وقد قدرت أن سعر تكلفة الجوال كان حينها 45 جنيهاً تلكأت في شراء المحصول الذي انهارت أسعاره فبلغت الحضيض واضطر المزارع المسكين أن يبيعه للتجار بأثمان دون سعر التكلفة نفسه. وحينما قررت شراء المحصول بعد فترة حددت سعر الجوال بـ50 جنيهاً تدفع مجزأة إلى 12 قسطاً لمدة عام! فاشترته من التجار الذين كانوا قد اشتروه من المزارعين بأبخس الأثمان فكانت طبقة التجار هي المستفيدة وكان المزارعون مذبوحين.

وفي عهد الحكومة الديمقراطية انخفض التضخم من 60% في العهد المايوي إلي 40% في 1987م. وصُرف على التنمية في تلك الفترة القصيرة 3 بليون دولار من المصادر العربية والغربية بالرغم من تراجع الدعم الأمريكي ثم توقفه بسبب وقف امتيازات أمريكا والناتو في البحر الأحمر. فقد وجد الصادق بالسياسة المخلصة المبنية على التعاون والمصالح المشتركة دعماً كبيراً استطاع عبره إعادة تأهيل المشروعات الزراعية والمصانع، ورصف عدد كبير من الطرق بأطوال تزيد عن كل الطرق التي رصفت في كل عهد مايو الممتد 16 سنة: طرق كوستي ـ الأبيض ـ الدبيبات، الطريق الدائري للجبال الشرقية، طريق سنجة ـ الدمازين، طريق خشم القربة. وما تم حينها في الطريق الغربي كوستي- الأبيض الدبيبات أطول من طريق الأبيض النهود الذي رصف في عهد الإنقاذ حتى عام 2010م أي بعد سبعة أضعاف عمر عهد الديمقراطية (21 عاماً)، هذا مع فارق المستوى والجودة: فشوارع الديمقراطية كانت أجود وبهندسة متقدمة مهنياً في حين أن الطرق التي رصفت بعدها تنهار أمام أول خريف كما أنها شيدت بدون دراسات وافية لمسارات الخيران مما جعلها تتسبب في غرق مناطق كثيرة كل خريف، كما حدث في أم بدة وفي قرى النيل الأبيض في خريف 2009 و2010م. وأعيد تأهيل طريق بور تسودان وطريق النيل الأبيض وطريق الدبيبات ـ الدلنج. وتم رصف طريق الدلنج ـ كادقلي. ودشن كبري سنجة، كبري السنجكاية، كبري الجنينة.  ومطار بورتسودان العالمي، مطار الفاشر، مطار نيالا، مطار الجنينة، مطار دنقلا العالمي، مطار الدمازين، ومطار كادقلي.

ومع تزايد غالبية المحاصيل في الديمقراطية بما لا يقارن مع ما قبلها ولا بعدها من عهدي مايو و”الإنقاذ”، تمت إنجازات في مجال تخزين الغلال فأقيمت الصوامع المتحركة، وصومعة الخرطوم بحري الجديدة، وصومعة الدبيبات، وعملت تجربة المطامير الموسعة عبرالبنك الزارعي، ووسع في التخزين الاستثماري الخاص. ولكن الصوامع التي تعاقدت عليها الديمقراطية تحولت لاحقاً بعد 1989م لمكاتب لجهاز الأمن.

أما في الخدمات فالفرق بين حكومة الإمام الصادق الديمقراطية والحكومة التي اقتلعت منها الحكم كبير، كانت حكومته دولة رعاية اجتماعية تقدم الصحة والتعليم مجاناً وتدعم ضروريات العيش والسكر والكهرباء والمياه.

وقد قامت حكومته ضمن مشروعات التنمية بالاتفاق على كهربة النيل الأبيض من الرنك للقطينة عبر البروتوكول اليوغسلافي.  ودخل التوربين السابع في خزان الرصيرص، وبدأ تنفيذ مشروع الخط الدائري بالخرطوم لحل مشكلة الكهرباء، وللأبيض، وللقضارف، والنهود بتمويل كويتي. وعملت خطة للسدود بأولوية هندسية وبمراعاة الآثار والبيئة وحاجات أهل المناطق التي تقام فيها السدود في مروي وكجبار وغيرها.. وهي دارسة أهملتها الحكومة التي جاءت بعده بمسمى (الإنقاذ) وأقامت السدود نفسها بأولويات مقلوبة وبطريقة فرّخت المظاليم الذين بطشت بهم ودمرت حياتهم.

وفي المياه تمت إعادة تأهيل وتوسيع محطة المقرن، وتأهيل محطة بحري، والبدء في إنشاء محطة الخرطوم. وإنشاء محطة القماير، وبرنامج تحديث الشبكات بالعاصمة، ومشروع مياه بورتسودان، ومشروع مياه الأبيض من بارا، وتوسعة مياه الفاشر، ومياه النهود، وتم برنامج مكثف للمياه الريفية حفرت فيه آبار جوفية وسطحية بما يبلغ آلاف الوحدات المائية.

وفي التعليم، عقد مؤتمر قومي للتعليم العام في مارس 1987م لتحسين وزيادة المدارس. واتفق مع البنك الدولي على خطة لإعادة تأهيل مؤسسات التعليم العالي، ولكن كل المقررات والخطط أجهضت واستبدلت بمؤتمر التعليم في 1990م الذي قلب السلم التعليمي بشكل مرتجل وغيّر المناهج القومية فصارت حزبية تفرّخ العنف والإرعاب والكراهية وتضطهد المرأة.

وفي الصحة وضع برنامج لإعادة تأهيل المستشفيات الحضرية الكبيرة، واستقطب  عون منظمة الصحة العالمية واليونسيف للمساهمة. وأعيد تأهيل نصف المستشفيات الريفية. وكان العمل سائراً في الباقي. ودعم برامج الطب الوقائي.

وفي التسليح عقد البروتوكول الصيني، وفي الشرطة والأمن تم تحسين شروط خدمة ومعاشات الشرطة. وزودت الشرطة بسيارات وأدوات اتصال لاسلكي وسلحت ضمن البروتوكول التركي، وهكذا، في كافة المجالات كان الصادق يحكم بقلب وطني قومي.

ولعل من أهم ما ميز حكمه من جديد كان النهج القومي حيث عيّن الفريق عبد الماجد حامد خليل (المستقل) لوزارة الدفاع والدكتور عباس أبو شامة في وزارة الداخلية وذلك تأكيداً لكفاءتهما، وكذلك النهج المهموم بقضايا الناس ومعاشهم فكان صاحب فكرة شريان الحياة التي سجلت في الأمم المتحدة باسم (الصيغة السودانية) وذلك لمصلحة احتياجات النازحين والمتضررين من الحرب، ولتوصيل الإغاثة لهم داخل خطوط النار. اقترح تلك الفكرة علي الأمين العام للأمم المتحدة فوافق عليها وبموجبه نظمت أكبر عملية إغاثة من نوعها داخل خطوط النار بين جهات متحاربة. وهي بالفعل الصيغة التي تشبه السودان لا ما حدث في 2009م من طرد منظمات الإغاثة التي تعيل النازحين في دارفور بسبب الغضب من النظام الدولي لأن المحكمة الجنائية الدولية وجهت اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لرئيس النظام، وكان من آثار ذلك حرمان المتضررين من الحرب من الإغاثة التي كانت تقدمها تلك المنظمات منذ 2009م وحتى الآن. ومن ثم حرمان المدنيين المتضررين من الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 2011م من الإغاثة الدولية. وكذلك طرد المنظمات في الشرق عام 2012م.

ومن الميزات كذلك النهج الديمقراطي والعطوف، لدرجة انتقدها السيد غراهام توماس الذي وصف زيارته للصادق في مكتبه بمجلس الوزراء قائلاً: (عندما دخلت مكتب رئيس الوزراء صعقت  لانعدام أي نوع من الإجراءات الأمنية)، .. ، (وحتى سائق رئيس الوزراء هو نفس السائق الذي كان يقود سيارة نميري، وعندما أفضيت للصادق بتخوفي من أن يسرب أسراراً هامة هز كتفيه وقال: لا أرى داعياً لفصله فقط لأنه يكان يقود سيارة نميري). وعقب توماس بقوله: (ليس هناك أدنى شك في أن صادق المهدي مصمم على الابتعاد عن كل مسلك أو مظهر يمت بصلة للدكتاتورية، وحتى الحرس الخاص الذي يحرس بيته هو نفس حرس النظام السابق، ويقول: إنه لن يكون على رأس نظام تعسفي بعد سبعة عشر عاماً من الحكم الديكتاتوري، فهو يؤمن بحماس شديد بالإجماع والشورى، ويملك قدرة على التفاوض والنقاش والإقناع ليصل في النهاية إلى موقف يرضي الجميع، وهذا ليس مبدأ فكري فقط بل تقليد إسلامي)[13].

واجه الصادق والحكومة التي يرأسها كارثة السيول والفيضانات عام 1988م بمسئولية معترفاً بالكارثة على عكس ما تفعل الشموليات التي تهتم أولاً بإنكار ما حدث، ووجه طاقات البلاد كلها واستمطر مساعدات الدول الصديقة والشقيقة وفي النهاية تم إنقاذ المواطنين، وكانت السيول خيراً على البلاد بمخزون الغلال الوافر الذي ظلت حكومة (الإنقاذ) تقتات عليه أول عمرها.

واتخذ الصادق نمطاً جديداً في الحكم ممتداً من تجربته القصيرة الأولى. نمط يجمع السياسيين والإداريين والفنيين والنقابيين والأكاديميين في عمل مشترك ثم يشترك في الدارسة والقرار خبراء دوليون ودول صديقة في منبر قومي دولي تقدم نتائجه لاتخاذ القرار السياسي ثم الجدية في التنفيذ.

ومن جديد اهتم بقضية الجنوب والسلام فيه اهتماماً بالغاً. فكان حزبه هو الحزب الكبير الوحيد الذي شارك في مؤتمر كوكادام في مارس 1986م وتم التوقيع فيه على أسس السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولاقى المرحوم الدكتور جون قرنق في أديس أبابا في يوليو 1986م بعد انتخابه رئيساً للوزراء لمدة تسع ساعات متواصلة وتم الاتفاق على توسيع إعلان كوكادام بضم الحزبين الكبيرين المقاطعين: الاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية. وحتى بعد إجهاض اللقاء بإسقاط طائرة الركاب المدنية قرب ملكال في 16/8/86 استمر يدعو للسلام ويعمل له، وبعد مبادرة الميرغني قرنق اجتهد بشدة لمواجهة العداءات الموروثة والمناورات الحزبية في البرلمان ليتفق الجميع حولها، وبالفعل تم إجماع كامل عليها وقاد السيد ميرغني النصري رحمه الله بطلب منه اجتماعات القصر التي خرجت بالعقد الاجتماعي والبرنامج المرحلي.. وتمت برمجة خطوات السلام فكان هناك وقف إطلاق نار شامل، واتفاق على عقد مؤتمر قومي دستوري في 18 سبتمبر 1989م.

ولكن الجبهة الإسلامية القومية نفذت انقلابها في 30 يونيو 1989م محتجة بأن السلام الذي سيحقق كان تخلياً عن الشريعة، مع أنه لم يكن فيه تقرير مصير للسودان، ولم يشتمل على أي وسيط أجنبي، وكان سيتفق على الأسلمة بطريقة تطمئن أهل الأديان.

وكلها أمور مفقودة في اتفاقية السلام بالضغط الأجنبي والتي كانت نهايتها انفصال الجنوب، ثم تجدد الحرب من جديد، تماماً كحكمة البصيرة أم حمد المعروفة شعبياً في السودان، وهي التي جاءها قومٌ محتارون كيف يخرجون رأس ثور أدخله داخل آنية خزف (برمة) بدون أن يكسروا الآنية، فقالت لهم اذبحوا الثور، ولما ذبحوه بقي الرأس داخلها فقالت لهم (أكسروا البرمة)!

كان السودانيون محتارين كيف يحققون السلام والوحدة الوطنية معاً، فذبحت “الإنقاذ” لهم الوحدة ثم مزقت السلام!

كانت حكومة الديمقراطية الثالثة وطنية حتى النخاع ناجحة بمقياس إنجازاتها برغم العقبات، مزدهرة بمقياس تصاعد تأييدها داخل البرلمان فقد بدأت الحكومة الأولي في 1986م بسند برلماني بلغ 70% من النواب بينما تصاعد هذا السند ليصل في 1989م إلي 80% من النواب، مع سند واسع خارج البرلمان: شعبي ونقابي. إلا أن إعلام الجبهة الإسلامية القومية متعدد المنابر والآيس من الديمقراطية نجح بقوة في تشويه صورة الديمقراطية زوراً وبهتاناً، بل شارك في هذه الدعاية البعض داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي بدافع التنافس الحزبي أو لمجرد الفوضى وغياب الحس السياسي السليم، كما شارك التجمع النقابي باندفاع نقاباته وضياع البوصلة الديمقراطية السليمة، لكأنما الحركة المطلبية هي الهدف الأعلى بلا كابح ولكأنما الحرية أمرٌ لا سقف له من مصلحة عامة ولا مراعاة لظرف وطني حرج.. تضافرت عوامل عدة لتجعل الانطباع الخاطيء بفشل التجربة بينما كل المؤشرات الموضوعية كانت تقول إنها في تصاعد، وإنها كانت تجتاز المطبات وتمضي مستشرفة آفاقاً جديدة.

هذه المرة أيضا لم يكن السيد الصادق يستلم راتباً ولا سكناً ولا سيارة حكومية ولا مخصصات. اتخذ النهج الوطني النظيف المهموم بقضايا الناس حتى أرهق ونحل واخضر لونه.. إنه عملة مختلفة من أولئك الذين تلفحهم إمارات الراحة والدعة والمخملية وهم على كرسي السلطان.

وأذكر في ذلك الزمان كيف كنا كأبنائه جميعاً مشفقين على حالته شفقة بالغة. كان يقضي الساعات الطويلة في مكتبه بمجلس الوزراء فكان أول من يحضر وآخر من ينصرف، وأحيانا كانت المشاغل تمنعه من الرجوع للمنزل فكان أن بعثت له الوالدة سارا –رحمها الله- بسرير ومرتبة ليستلقي عليها برهة ريثما يعود للعمل. وكنت تجد دائماً في جيبه حبات من التمر والحلوى يسكت بها نداء المعدة إذا اشتد الجوع، وله فيها مأرب آخر، إذ يخطب بها ود الأطفال إذا لاقى أحدهم أو إحداهن فيقدم له قطعة حلوى عربون محبة.

لقد اجتهد السيد الصادق أيام حكمه غاية الاجتهاد الممكن، ولا بد سوف يذكر التاريخ حينما يرصد الأحداث ما قدمه من خدمات جليلة لوطنه، وسوف يجد التاريخ الفرق الكبير في الأداء الذي أدخله الصادق على ميدان السياسة السودانية، فالأداء الديمقراطي في فترته الثالثة كان لا يقارن بما قبله ونظن أن بصمات الصادق هي الأوضح في ذلك، لكنه بالطبع فرد وكان معه لاعبون آخرون أضافوا للصورة كذلك.  بل إن أداء الديمقراطية وتقييمها لا يمكن أن يقتصر على أداء الأفراد مهما بلغ شأوهم وإخلاصهم، فالديمقراطية ثقافة مجتمع، والديمقراطية لا بد أن تكون نتاج تطور طبيعي يصاحبه عهد تنوير وتنمية صناعية واقتصادية وتحرر فكري، ولو استمرت الديمقراطية كحكومة ربما أنتجت أو ساهمت في زرع ثقافتها وازدهر معها التحرر والتنمية، ولكن كيف للديمقراطية أن تعيش في جو يستزرع الشمولية؟

كان الصادق مؤرقاً طيلة تلك السنين مرهقاً، وكان أحياناً إذا عاد لداره ما يلبث أن يمتطي عربته ويخرج متفقداً حال الناس في غير زيه المعتاد حتى لا يعرفونه ويرفض أن يكون معه حارس ولا مرافق. فكان يحمل معه أحياناً من يلاقي في الطريق يحادثهم ويتلمس أحوالهم، ويهب لنجدة من يراه في حالة احتياج.

إن الانطباع السائد حول تجربة الديمقراطية الثالثة كأنما كانت عهد تفريط وتردد وضياع هو انطباع خاطيء تماماً، تضافرت في تدويله وشيوعه بين السودانيين عوامل عديدة، اجتهد في توصيفها بعض الكتاب المنصفين الذين أكدوا التشويه المتعمد لسيرة الديمقراطية الثالثة وربانها.

أهم تلك العوامل:

  • الدور التخريبي الذي لعبته الأحزاب المؤتلفة في حكومات الديمقراطية خاصة الحزب الثاني، الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي إن أتقن شيئاً فالفوضوية والمناورة وعدم الجدية، وسوف نأتي على تحليل دور ذلك الحزب السلبي بشيء من التفصيل. أما حزب الأمة فلم يكن خلواً من المسئولية باستجابة هيئته البرلمانية للاستفزازات والمناورات في بعض الأحيان كذلك كان بعض وزراء الحزب يخاطبون الإعلام بشكل مستفز للرأي العام بدلاً عن تطمينه وتأكيد الموقف التصالحي الذي كان السيد الصادق يسعى إليه بيديه وقدميه. وكان بعض قيادات حزب الأمة كذلك يعبرون عن مواقف معارضة ومشككة في موقف الحزب الرسمي ويوحون بغير حقيقة ما يدور في المؤسسات من نقاشات ديمقراطية بلا سقوف؛ فلعبوا أدواراً سلبية وهادمة وخارجة عن الانضباط التنظيمي المطلوب.
  • الدور الإعلامي السلبي الذي قادته صحف الجبهة الإسلامية المتناسلة والمدعومة من البنوك والمؤسسات الإسلامية المقتدرة، وقد تضافر ذلك مع قرار إيقاف صدور صحيفتي الصحافة والأيام وإعادتهما لملاكهما وما اقتضى ذلك من تسريح صحافيين مغبونين ذوي موجدة من النظام الديمقراطي ومن رئيسه شخصياً صاحب القرار الذي أضرهم، وقد تلقفتهم تلك الصحف المغرضة فلاقى غرض غرضاً، ووافق شن طبقة، في هدم النظام الديمقراطي والتشهير به.
  • الدور السلبي للقوات المسلحة التي حبذت قيادتها الانصراف عن مواجهة مسئولياتها في الحرب وانغمست في السياسة وانغمس بعض كبار ضباطها في التجارة في الجنوب مما أضر بالضبط والربط وأدى لتدني الأداء ثم قاد أخيراً لمذكرة القوات المسلحة وما انتهت إليه من خراب العسكرية وتهيئة الوضع للذهنية الانقلابية.
  • تعنت الحركة الشعبية لتحرير السودان وإصرارها على رفض التعامل مع النظام الديمقراطي ونعته بأنه طبعة لاحقة من مايو، مما استنزف الديمقراطية وأضعف الجبهة الداخلية وأعطى المزايدين في الجبهة الإسلامية كروتاً لتعرية خطاب السلام ونعت أصحابه بالاستسلام.
  • موقف القوى الحديثة السالب والمتمثل في تناسل وتسلسل الإضرابات والتشكك في الحكومة الديمقراطية والنيل منها ومن مواقفها بالحق والباطل. إن قراءة متأنية لكتاب الدكتور محمد علي جادين والذي ينطلق من تعاطف مبدئي مع القوى الحديثة وتبنٍ كامل لشعاراتها يظهر التناقض الكبير الذي وقعت فيه هذه القوى، والفشل الكبير في التعامل مع حكومة الديمقراطية كحليف حقيقي في إرساء تجربة ديمقراطية سليمة. إن الدكتور جادين ينطلق في مقدمة كتابه من موقف واعٍ بأهمية الديمقراطية، وبتقييم لأهم عوامل القوة في التجربة الأخيرة، فهو يعتبر إنه قد (توفرت لتجربة الديمقراطية الثالثة ظروف عديدة كان من الممكن أن تساعد على استمرارها وترسيخ جذورها في أرض الواقع)، ويجعل من ضمن تلك العوامل: (وجود رئيس وزراء مستنير يتميع بثقافة عربية إسلامية وعصرية واسعة وإيمان عميق بالحوار السلمي الديمقراطي)، إلى جانب تجربة مايو السيئة التي أكدت سوء البديل الديكتاتوري وفرضت تحديات ضخمة، وحيوية الحركة السياسية والنقابية السودانية، مؤكداً أن هذه الظروف قد ساعدت بالفعل (في خلق حركة فكرية وسياسية جادة ومتنوعة خلفت تراثاً غنيا سيكون له تأثيره الكبير في تطور الحركة السياسية السودانية وإنضاجها في الفترات اللاحقة.)[14] وبرغم ذلك نجده في ثنايا الكتاب كثيراً ما يضيع عنه خيط التحليل فيضع فرضيات متناقضة أويثبت التحليل وينقضه أو يتجاهله، فينصب رئيس الوزراء حليفاُ ثم عدواً لكأنه أضاع الدرب، ثم يركن لنحلة التردد، متجاهلاً لحقيقة أن البحث عن السند البرلماني لتحقيق سياسات متفق عليها مثل (إلغاء قوانين سبتمبر) ليس تردداً ولكنه واقعية. فحينما يتساءل لماذا لم تلغ والأغلبية موجودة ينسى أن الاتحادي والجبهة كانا ضد الإلغاء، فالأغلبية الحكومية لم تعط لبرنامج حزب الأمة بل لبرنامج الائتلاف. الشاهد، إن القوى الحديثة وهي حليف لحزب الأمة منذ الانتفاضة ثم كوكادام لم تلتزم جانب ذلك الحلف بل فضلت أن تنازل الحكومة وتحرجها وتجعلها بين مطرقتها وسندان قوى بقايا مايو.
  • العامل الخارجي الأمريكي إذ لم تقبل أمريكا سوداناً مستقلاً وقد جربت الذيل النميري، علاوة على ما لعبته بعض الدول في الإقليم التي لم تقبل واحة الديمقراطية في تلك الصحراء الشمولية وأصرت أن تزحف عليها.
  • أما الجبهة الإسلامية القومية فقد استغلت كل تلك العوامل وغذتها، ثم دبرت مكيدتها اللئيمة فشنقت الديمقراطية ومزقت الوطن وتدنت بالأداء الوطني حتى صرنا الآن لا ندري هل فرغت أم ليس بعد من نسج الكفن؟

هناك بعض التحليلات المهمة لدور الصادق كحاكم، منها كتاب السفير الأمريكي نورمان أندرسون الذي جيء به كبرشامة للعهد الديمقراطي في السودان (1986- 1989م) بعنوان (السودان في أزمة: فشل الديمقراطية في السودان) الصادر عام 1999م. وكتاب الدكتور محمد علي جادين بعنوان (تقييم تجربة الديمقراطية الثالثة في السودان). وكتاب الدكتور عبد الله محمد قسم السيد بعنوان (الصادق المهدي وأزمة الديمقراطية في السودان: الحقيقة والجرأة في التناول). ومقالات الأستاذ مصطفى عبد العزيز البطل (الديمقراطية الثالثة) وهي 21 حلقة. وكتاب العميد معاش السر أحمد السعيد (السيف والطغاة في السودان)، وتحليله لتجربة الديمقراطية الثالثة. وهي كتابات تراوحت في مواقفها تعاطفاً وتعارضاً مع تجربة السيد الصادق كحاكم.

يقف على طرف المعارضة بل التجريح كتاب السفير الأمريكي، وهو كتاب رآه أحد الذين قاموا بعرض نقدي للكتاب خاوياً من أية معلومات حقيقية عن السياسة في السودان، بل هو مجرد دليل على الدور الأمريكي في إسقاط الديمقراطية في السودان. وهو رأي محق.

ثم يأتي كتاب الدكتور جادين الذي يمثل موقف القوى الحديثة والذي انطلق في مقدمته من تقييم إيجابي لدور السيد الصادق باعتباره أحد عوامل قوة التجربة، ولكنه في ثنايا الكتاب لم يكن قادراً على تفهم كثير من المواقف والسياسات  التي فرضت عليه بسبب عدم الحصول على الأغلبية مما عكس الموقف السلبي للقوى الحديثة من تلك المواقف والعجز عن إدراك منطقها الواضح مثلما سوف نشرح.

جاء كتاب قسم السيد في منطقة وسطى، فمثلما شرح التعقيدات التي لاقاها السيد الصادق كحاكم وبين مواقف بعض الأحزاب السلبي والمضر وكذلك الفوضى التي وقعت فيها النقابات في فهمها لحرية الإضراب بشكل عبثي أضر بالتجربة الديمقراطية، وقف قسم السيد في مواقف أخرى غير متفهم لمواقف الصادق ومنزعج من أدائه وفي الحقيقة في طيات كتابه تناقض أحياناً إزاء الموقف الواحد. هذا بينما أتت كتابات السعيد والبطل في مواقف أقرب إلى شرح تعقيدات الوضع وخفاياه التي تعضد مواقف حفيد المهدي بتعبير البطل، وكلاهما بعيد سياسياً واجتماعياً عن السيد الصادق.

أما أبلغ الأدبيات التي وقفت إلى جانب السيد الصادق وتجربته فقد كانت الصادرة عن معهد الدراسات الموضوعية بنيودلهي، فقد أصدر ذلك المعهد في العام 2006م كتاباً بعنوان (مائة قائد إسلامي عظيم في القرن العشرين) رصد فيه أعظم مائة شخصية مسلمة في القرن العشرين في مختلف نواحي الأداء: الحكم والأدب والفكر والثورة والعلوم..الخ.. اختار المعهد 26 شخصية في مجال الحكم، واختار الحبيب الإمام الصادق المهدي ضمن أعظم شخصية مسلمة في القرن العشرين في مجال الحكم والإدارة[15]. وتجد/ين في ملاحق الكتاب نص النبذة التي أوردها المعهد عن السيد الصادق  مترجمة والتي تشرح أسباب اختياره، وقد جاء فيها: (يمكن أن نرى أن الصادق المهدي لم يجد الفرصة لتطبيق أجندته حتى وهو في السلطة كرئيس للوزراء نسبة لعوامل كثيرة منها طبيعة المجتمع السوداني المتعددة إثنياً ودينياً، والاضطراب المستمر في جنوب السودان، وفوق ذلك حقيقة أنه على الرغم من أن حزب الأمة حاز أحياناً على العدد الأكبر من مقاعد البرلمان إلا أنه لم يتمكن في أية مرة من إحراز أغلبية تمكنه من الحكم منفرداً، مما فرض على الصادق المشاركة في حكم ائتلافي أضاف المزيد من القيود عليه، وفرض سياسة النفس الطويل والصبر. على الرغم من كل ذلك امتلك الصادق القدرة على التماسك ليصمد ويقاوم الضغوط المتنوعة مبرهناً على همته الاستثنائية “كقائد عظيم في القرن العشرين”.)

 

[1] أشار الحبيب لانتقاد البعض لدعوته تلك في محاضرة بعنوان (المصالحة الوطنية) في 3 أكتوبر 1966، كتاب خطب رئيس الوزراء 1966

[2]الفاتح عبد السلام، النزاعات داخل الأحزاب، حالة حزب الأمة

[3] خطب رئيس الوزراء 1966-1967م

[4] نفسه

[5] مذكرات العميد يوسف بدري، ص 339

[6] كلمة رئيس الوزراء التي أعلن فيها تشكيل حكومته في كتاب خطب- ندوات- محاضرات السيد الصادق المهدي رئيس الوزراء

[7] محمد علي جادين، تقييم تجربة الديمقراطية الثالثة

[8]  في الجزء الأول من كتاب السيرة والمسيرة تم إثبات المفارقة الكبيرة بين نسبة أصوات الوطني الاتحادي ونسبة مقاعده البرلمانية في تلك الانتخابات.

[9] جراهام توماس، السودان الصراع من أجل البقاء، ص 245

[10] خطابه أمام معتمدية الخرطوم في 30 مايو 1986م، خطب السيد الصادق المهدي رئيس مجلس الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية، مصدر سابق، ص 54

[11] معدلات النمو من موقع البنك الدولي

http://data.worldbank.org/indicator/NY.GDP.MKTP.KD.ZG?page=5

[12] يروي المرحوم دكتور عمر نور الدائم أنهم أثناء مناقشتهم مسألة توزيع البذور المحسنة مجاناً ونثرها بالطائرات في كردفان ودارفور احتج أحد الوزراء الاتحاديين وقال له تريدون أن تفعلوا ذلك لأن (ديل ناسكم دايرين تساعدوهم) فقال له هذه المسألة سياسة للمصلحة العامة فزيادة المحصول مصلحة قومية ولكن لو جئنا لحساب المجموعات و(ناسنا وناسكم) فحينما تكون الإنتاجية كبيرة لأي محصول، الفول مثلاً، فالمنتج لا يعود عليه إلا قدر ضئيل، ولكن التجار وأصحاب المعاصر (ناسكم)  هم الذين يحصلون على الربح الأكبر، وبهذا المنطق اقتنع الوزير.

[13]  جراهام ف. توماس السودان الصراع من أجل البقاء ص83، 84

[14] جادين، سابق ص 8

[15]Mohd Manzoor Alam, Dr. (Editor in-chief), Editors: Prof. Z M Khan, Prof. A R Momin, Prof Manzoor Ahmed, Dr Shaukat Ullah Khan, Prof Z A Nizami, 100 Great   Muslim Leaders Of the 20th Century, Publisher: Institute of Objective Studies, New Delhi, India, 2006