حوار مع الحبيب الإمام الصادق المهدي في صحيفة الموقف 2-2

الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي
الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي

رئيس حزب الأمة رئيس الوزراء السوداني السابق الأمام الصادق المهدي لـ”الموقف” (2-2)

24 فبراير 2015

هل لازلتَ تعتقد بأن أطروحتك التي اسميتها “السودان العريض” يمكن أن تتحق بعد استقلال جنوب السودان؟

 في رأيي أنه لا يوجد مانع للعودة إلى الوحدة، وفي رأي أن أي قرار من هذا النوع يجب أن يتم عن طريق تقرير المصير مثلما تحقق الانفصال بنفس الطريقة. ولازلتُ اتحدث بأنه طالما لم يتحقق هذا، فمن الأسهل قيام علاقة خاصة بين الدولتين تشمل إستراتيجية تنموية وأمنية وفي العلاقات الخارجية، على الأقل، تنسق بين الدولتين، ورابعا ضرورة تحسين العلاقة على المستوى الشعبي، مثل أن يكون للمواطن الجنوبي حق المواطنة في الشمال، وكذلك الحال بالنسبة للمواطن الشمالي، وأن يكون هنالك اتفاق حول حقوق العمل والتملُّك والانتقال، وأن تُسمَّى علاقة خاصة بين الدولتين، ويمكن تسميتها أيضا بأي اسم آخر، مثل الكونفدرالية. وفي رأيي إذا تم هذا، يمكن أن يكون هنالك لقاء دوري بين قيادتي السودان ودولة جنوب السودان لمتابعة تطور هذه العلاقة الخاصة. إذا جاء يوم، وأنا لم أعد أظن أصلا بوجود ضرورة لسيادة واحدة، يمكن أن تكون هنالك سيادتين مقيدتين بالعلاقة الخاصة. فالعالم الآن لا يعيش تحت مظلة السيادة المطلقة، فالأمم المتحدة حاليا تقيد سيادة الدول، وكذلك الاتحاد الافريقي، والعلاقات مع المنظمات الدولية الخاصة مثل اليونسكو، والغذاء العالمي والصحة العالمية وخلافها، كلها تقيد السيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق نقول، نعم يمكن للدولتين أن تحتفظا بسيادتهما، ولكن يجب أن تكون مقيدة باتفاقية خاصة بين الدولتين.

متى سيعتذر الصادق المهدي لشعب جنوب السودان عن الانتهاكات التي ارتكبتها حكومتك في حقهم، خصوصا وأن هنالك مطالب شعبية في جنوب السودان تطالب بضرورة أن تعتذر؟

 فترة حكومي للسودان، في رأيي، كانت مشرفة جدا. نحن واجهنا العمل المسلح الذي قامت به الحركة الشعبية، وطوال هذه الفترة كنا نطرح كلاما واضحا عن ضرورة وجود حل سياسي، وفعلا عندما اُنتُخِبتَ، كان أول عمل قمت به، ولم يحدث من قبل، هو أننا اتصلنا بالحركة الشعبية واتفقنا معها في أديس أبابا، والتقينا بعد انتخابي في العام 1986م. كما قمتُ بلقاء قيادة الحركة في يوليو، أي مباشرة بعد انتخابي، وطلبت الحركة الشعبية منا تنفيذ إعلان كوكادام، وقد كان الحزب الوحيد الكبير في السودان الذي اشترك في إعلان كوكادام هو حزب الأمة، بينما قاطعت الأحزاب الأخرى، مثل الاتحاد الديمقراطي والجبهة الاسلامية القومية، إعلان كوكادام. واتفقنا في هذا الإعلان على أشياء معينة. فقد طالب الدكتور جون قرنق ووفده بتنفيذ الإعلان في اجتماعي معه، وحينها قلتُ للدكتور جون قرنق ومن معه، أننا في الحقيقة ملتزمين بهذا الإعلان، ولكنني الآن رئيسا للوزراء ضمن ائتلاف، ما يعني أن هنالك آخرين معي ضمن هذا الائتلاف، مثل الاتحادي الديمقراطي الذين عارضوا هذا الإعلان، وطلبتُ منه اعطائي فرصة حتى نتمكن من إقناع كل الأطراف بهذا الإعلان، حتى يصدر قرار من البرلمان، لأن نظامي ديمقراطي ولا يمكن أن أوافق على اتفاق دون موافقة الآلية التشريعية. وافقنا على إجراء هذا الأمر، ولكن للأسف في ذلك الوقت كانت إثيوبيا ترى أنه لا يمكن أن تسمح للسودان بحل مشاكله ما لم تحل مشاكل إثيوبيا مع الحركة الإريترية، لذلك قدمت إثيوبيا دعما كبيرا للحركة والجيش الشعبي حتى لا يتم إجراء اتفاق. وقد قال لنا وزير خارجية إثيوبيا، في ذلك الوقت، أنه إن لم يكن هنالك قرنق فبإمكانهم اختراع شخص آخر لمساعدتهم في الربط بين حل مشكلة جنوب السودان والشمال الإريتري في إثيوبيا.

 المهم ضغطت إثيوبيا على الحركة الشعبية كي لا تذهب في طريق الاتفاق، ولذلك قاموا بعملية سيئة جداً، فأثناء انتهائنا من الاتفاق المبدئي لهذا اللقاء، جعلوا الحركة الشعبية تضرب الطائرة المدنية التابعة للخطوط الجوية السودانية في ملكال، وكانت هذه العملية بمثابة خطأ كبير، حيث تم قتل مدنيين، ولم يكن للحكومة السودانية أن تغض الطرف عن هذه الحادثة. فاتصلنا بالحركة الشعبية، وقلنا أن ما حدث قد حدث، وأن عليهم إصدار بيان يقول أن ما تم كان خطأ لن يتكرر، أو أي كلام في هذا الإطار، لكنهم رفضوا، وقاموا بترقية القوات التي قامت بهذا العمل. هذا العمل أدى لتعطيل مهمة كبيرة، وهي نجاح اللقاء الذي تم مع الحركة الشعبية. بعد ذلك واصلنا الاتصال، وقمنا بعمل شيء نعتقد أنه إنجاز كبير، وهو اتفاقنا مع منظمات المجتمع المدني التي كانت تقودها اليونسكو على مشروع شريان الحياة، وكان هذا الإجراء قد وجد ووجه بالرفض من جهات عديدة. فالجهات العسكرية ترى أن شريان الحياة سيوفر إمدادات وتموين للجيش الشعبي الذي سيستفيد من العملية أكثر من المدنيين، لكننا واصلنا هذا العمل، وحينها قام مدير اليونسكو بشكرنا، وقال أننا قمنا بعمل إنساني نسميه بالمعادلة السودانية.

ثم أتت مرحلة ثانية، حيث قامت الحكومة المصرية، تبعا لعلاقاتها مع الحركة الشعبية، بالتوسط ما بين الحركة الشعبية وحزب محمد عثمان الميرغني، ووقعوا اتفاق الميرغني– قرنق. وقد قال كثيرون في السودان أنهم لن يعترفوا بهذا اللقاء، وقد أرسلتُ مندوبا للسيد محمد عثمان الميرغني، وهو الدكتور علي حسن تاج الدين، ليخبره بأن ما قمت به مقبول، وهو أشبه بإعلان كوكادام، ولا يوجد خلاف. لكن في ذلك الوقت كانت هنالك تعبئة ضد هذا الاتفاق، وقلت له بأن يمنحني وقتا لمعالجة هذه المشكلة، ثم نأتي لجعل هذا الاتفاق قومي، وقد وافق السيد محمد عثمان الميرغني، لكن كانت هنالك عناصر، للأسف، لم تكن تريد حدوث هذا الأمر، كما أن الحكومة المصرية كانت تتأمر ضده، لأنها لم تكن تريد نجاح الديمقراطية في السودان، فقد كان لديها خوفا من خطرين يأتيان من ناحية السودان، الأول الديمقراطية والثاني التوجه الإسلامي، لذلك كانوا ضد هذا الاتفاق. على كل حال، لعبوا دورا جعل الاتحادي الديمقراطي لا ينتظر، وحدث خلاف حول الموضوع بين الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة، ومع ذلك عملتُ لتدارك الموقف، وطلبت من السيد أحمد الميرغني، رئيس مجلس سيادة الدولة، تقديم دعوة لي والترابي والميرغني لمناقشة تبني قضية اتفاق الميرغني– قرنق، وبالقعل اجتماعنا في يناير 1989م، وخرجنا ببيان يتبنى الاتفاق. وقد تحدثت مع الدكتور سيد أحمد الحسين والسيد محمد توفيق لنقل ما تم للحركة الشعبية، وقاموا بنقله للدكتور جون قرنق، واتفقوا على أن هذا ما تبنته الحكومة، واتفقنا على قيام مؤتمر قومي دستوري في 18 سبتمبر 1989م. اتفقنا على كل شيء، وأعلنتُ هذا الأمر، وكان هنالك اتفاق لوقف إطلاق النار ساري المفعول، لكن للأسف قامت الجبهة الإسلامية بتنفيذ انقلابها، وكانت أولى خطواتهم هو إلغاء هذا الإجراء الذي اعتبروه خيانة لقضية الشريعة، رغم أنه لم يكن هنالك حديث من هذا النوع. على كل حال، بذلنا مجهودات كبيرة للحل السياسي السلمي، واعتقد أنه للأسف في العام 1986م تم إجهاض ما قمنا بالاتفاق عليه مع الحركة، كما ذكرتُ، عبر مؤامرة من الحركة مع إثيوبيا أدت إلى إسقاط الطائرة المدنية في ملكال، بالإضافة إلى انقلاب الجبهة الإسلامية. وقلتُ أنه كيما نتحمل مسؤولية كل التعديات على حقوق الإنسان، والتراخي في مسألة السلام، والهجوم على المدنيين، اقترحتُ تكوين مفوضية للحقيقة والمصالحة، ولازلتُ أقول بأن هذا الأمر يجب أن يحدث، لأنني أعتقد أن هذا سيظهر كيف أننا كنا أشرف الناس وأحرصهم على السلام والاتفاق، وأن هنالك جهات متعددة يجب أن تتحمل مسؤولية عدم نجاح هذه المساعي، إلى أن وقع الانقلاب.

إذن أنت ترى بأنه لا يوجد ما يستحق الاعتذار؟

 قلتُ أن هذه هي الحقائق، ولا أريد أن يقول الناس هذه الحقائق كما أرددها، بل أريد تكوين مفوضية حتى تتحقق من هذه المعاني. وقد كتبتُ كتاباً، سأهديك نسخة منه، بعنوان “ميزان المصير الوطني”، وذلك بتفاصيل ودقة شديدتين، أوضحت كيف عملنا من أجل السلام، ومن الذي أجهض هذه العملية.

حمَّلت الحركة الشعبية مسؤولية إسقاط الطائرة المدنية في ملكال، من يتحمل إذن مسؤولية مذبحة الضعين التي حدث في عهدك؟

 متأكد أن مذبحة الضعين، وأنت تعرف، أن الحكومة لم يكن لديها يد فيما حدث، فقد كان عبارة عن صراع قبلي بين قبيلة الرزيقات والدينكا، وسبقتها مراشقات بين القبيلتين، أدت إلى حدوث هذه المشكلة. وكحكومة قمنا بإدانة هذه المذبحة، وكونا لجنة تحقيق لتحديد من يقف وراءها ومحاسبة كل المتورطين فيها. وفي رأيي، أن الحكومة لم تكن طرفا فيها ولا سياسة الحكومة، ولم تتدخل فيها قوة نظامية، لا جيش ولا شرطة ولا جهة إدارية ولا مليشيات تابعة للحكومة. فالمراشقات موجودة أصلا بين الدينكا والرزيقات، وتكررت كثيرا، وأدت إلى هذه الحادثة الفظيعة. لو كانت اُرتكبت من قبل قوة نظامية إو إدارية، يمكن أن تكون مفهومة، لكنها حدثت من قوة قبلية لديها تاريخ عداوة مع عدة قبائل متاخمة للحدود، ونحن ضد كل هذه المراشقات، ولكنها كانت تمثل واقعنا. وبالمناسبة، دائما ما تكون النزاعات القبلية أكثر فظاعة ودموية من الحرب الأهلية ما بين الجيوش.

لماذا ساهمت الحكومة في دفع تعويضات؟

 تم عمل تحقيقات وبرنامج لدفع الديات والتعويضات، ولكنني لا استطيع تذكر حجم الأموال التي دُفِعت. من حيث المبدأ، قالت الحكومة، بعد انتهاء الموضوع، أنها أوصت بالصلح ودفع ديات لأهل الضحايا.

هل تذكر من الذي استلم هذه التعويضات؟

 لا أدري، وقد قلتُ أنه متى كان هنالك سؤال حول هذا الأمر، يمكن أن تجيب عنه مفوضية التحقيق، وأعتقد أن هذه الأشياء تدخل في مسألة التحقيق. الحكومة أعلنت عن سياستها المدينة للحدث، والمطالبة بتحقيق الصلح، ومحاكمة الجناة، وتعويض المتضررين، ودفع الديات. وأعتقد أن هذا تم تنفيذه، أما إن كانت هنالك شكوى، فمن المطلوب أن يتم إخضاع الأمر للتحقيق عبر المفوضية المقترحة.

 أخيراً… في تقديرك من يستحق أن يحكم جنوب السودان في الفترة المقبلة؟

 ضاحكاً– من يستحق أن يحكم الجنوب هو من يرضى عنه شعب الجنوب، نحن ضد الحكم القهري، ولا نريد للعالمين العربي والإفريقي، وكل العالم، أن يكون فيه حكم قهري. يجب أن يحتكم الجميع إلى الممارسة الديمقراطية التي لا يمكن أن تنبع بدون خلفية، حيث يجب أن يكون هنالك دستور مقبول لكل الأطراف، وانتخابات نزيهة. وفي النهاية، من يستحق حكم الجنوب هو من يختاره شعب جنوب السودان في الانتخابات، بعيدا عن الحكم العسكري.

شكراً جزيلاً!

 العفو يا شريلو..

الموقف

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*