خطاب الحبيب الإمام الصادق المهدي في الاحتفال بذكرى موقعتي بدر الكبرى وأبا الأولى

سماحة دولة الحبيب الإمام الصادق المهدي حفظه الله ورعاه رئيس حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله ورئيس الوزراء الشرعي والمنتخب للسودان وعضو مجلس التنسيق الرئاسي لقوى نداء السودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو اللجنة التنفيذية لنادي مدريد للحكماء والرؤساء السابقين المنتخبين ديمقراطياً والمفكر السياسي والإسلامي

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الاحتفال بذكرى موقعتي بدر الكبرى وأبا الأولى

مسجد الإمام عبد الرحمن بودنوباوي

الثلاثاء: 17 رمضان 1438هـ الموافق 12 يونيو 2017م

خطاب الإمام الصادق المهدي

الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على الحبيب محمد وآله وصحبه مع التسليم، أما بعد-

هذه إفادات في ذكرى يوم الجهاد أي 17 رمضان.

1. يستحق أن نسميه يوم الجهاد لأنه ذكرى يوم بدر يوم المولد الثاني للكيان السياسي الإسلامي بعد أن كانت الهجرة المولد الأول، وصارت بدر ملهمة لجهاد المسلمين في كل العصور.

فيوم عامورية استلهما كما قال أبو تمام:

فبَيْنَ أيَّامِكَ اللاَّتي نُصِرْتَ بِهَا    وبَيْنَ أيَّامِ بَدْر أَقْرَبُ النَّسَبِ

ويوم الجزيرة أبا حكى نسخة سودانية للصدر الأول كما قال مختار أحمد مختار:

يا صنو بدر في الزمان    ويا أخا النصر الشهير

ولكن أهم ما ينبغي الخشية منه في يومنا هذا ما جاء في إنذار النبي صلى الله عليه وسلم: “سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ”[1]، “لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ”[2]. وقال: ” بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ”[3]. وقوله: “أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا”[4]. وحذر من داء الأمم وقال محذراً عن داء الأمم قائلاً: ” دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ”[5].

إن أمتنا اليوم في أول عتبات الحالقة. المسألة ليست الاختلاف فهذا من طبع الاجتماع البشري. ليس من مقاصد الإسلام إلزام الناس بالدين: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[6]. (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةًۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)[7]. وللاختلاف مغزى إيجابياً: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ)[8].

2. المسألة لليست الاختلاف بل الخلاف الذي تغذيه العصبية. الاختلاف في فهم نصوص الوحي وارد لأن النصوص نفسها تتطلب التدبر ووسائل التدبر من حكمة، وتعقل، ومراعاة للواقع عطاء إنساني يفتح باب الاختلاف. وظروف الزمان والمكان كذلك تفتح باباً للاختلاف على نحو مقولة ابن القيم: “اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان والحال”. والقول بمقاصد الشريعة التي لم يرد بها نص كذلك مدخل للاختلاف. قال أبو الوفاء بن عقيل: “السياسة ما كان فعلاُ يكون الناس فيه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي”.

الاختلاف المشروع أدى إلى خلافات في أمتنا تكاد تقصف بها بل صار يوظفها الأعداء لتدميرها على نحو ما قال كيسنجر مشيراً للحرب العراقية الإيرانية:” هذه حرب ينبغي ألا يكون فيها منتصر”. حالة وصفها الحكيم العربي بقوله مخاطباً أبا تمام في وقوله:

يَا يَوْمَ وَقْعَة عَمُّوريَّةَ انْصَرَفَتْ    منكَ المُنى حُفَّلاً معسولةَ الحلبِ

أما الآن:

يَكْفِيـكَ أَنَّ عِدَانَـا أَهْـدَرُوا دَمَـنَـا    وَنَحْـنُ مِـنْ دَمِنَـا نَحْسُـو وَنَحْتَلِـبُ

هنالك ثمان قضايا مختلف عليها بين المسلمين تتطلب مواقف لا تناقض الوحي ولا براهين العقل هي:

· ما هو الموقف الصحيح من العطاء الإنساني وما معنى أسلمة المعرفة؟

· ما هو نظام الحكم المشروع؟

· ما هو نظام الاقتصاد المطلوب؟

· ما هي مصادر المعرفة؟

· ما معنى تطبيق الشريعة؟

· ما هو معنى الجهاد؟

· وما هو الأساس المشروع للعلاقات مع الآخر الديني؟

· وما هو الأساس المشروع مع الآخر الدولي؟

· الموقف من العطاء الإنساني: هنالك رأيان متعارضان: مقولة أن قوله تعالى (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍۚ)[9]معناها أن كل ما سوى نصوص الوحي باطل لأنه أما طابق ما في النصوص فلا حاجة له. أو معارض لها فلا يجوز. الكتاب هنا حسب النص القرآني هو اللوح المحفوظ أما الكتاب المنزل فهو يفتح مجال فهم إنساني لنصوصه عن طريق التدبر، والحكمة، والمقاصد. كما أنه يؤكد أن نواميس الطبيعة حقائق أودعها الله فيها: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّۗ)[10].

والإنسان كل البشرية مسلطة لاكتشاف هذه النواميس والانتفاع بها. الطبيعة هي كتاب الله المنشور.

معرفة نواميس الطبيعة متاحة لكل البشر وهي نواميس في كل المجالات الطبيعية والإنسانية والاجتماعية متاحة للناس كلهم. ولكن بعض علماء الطبيعة أسسوا على علمهم دون برهان إنكار الغيب. هذا خوض في مجال موجود في الواقع ولكنه خارج عالم الشهادة. أسلمة المعرفة تعني رفض هذا الخوض غير المبرر.

إن للمسلم أن يؤمن بحقائق الغيب كما بينها الوحي وأن يقبل حقائق النواميس. (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)[11] المعنى الذي عبر عنه ابن خلدون: ” كل ظاهرة في الوجود الاجتماعي أو الطبيعي تخضع لقانون”.

الإيماني الذي ينكر سنن الكون لا برهان له، والعلماني الذي ينكر حقائق الوحي لا برهان له، والإنسان الرشيد هو من يؤمن بحقائق الغيب ويسعى لمعرفة حقائق الوجود الطبيعي والاجتماعي.

· نظام الحكم: الاختلاف حول هذا الأمر هو الذي انقسمت حوله الأمة. فالقرآن لم يحتوي على نص قطعي حوله بل مبادئ كالشورى والعدالة والحرية والوفاء بالعهد. والنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يضع فيه نصاً قاطعاً بدليل أن الصحابة بعد وفاته اختلفوا حول ولاية الأمر في سقيفة بني ساعدة ولم يذكر أحدهم نصاً قاطعاً من حديث النبي. والأمر حسم بالأمر الواقع الذي سماه عمر (رض) “فلتة وقى الله شرها”.

الخلافة كما وصفها الفقهاء كالماوردي أمنيات لم تطبق على الواقع بعد الخلفاء الأربعة الأوائل، بل صارت تقوم على التغلب والتوارث كما ذكر ابن حجر العسقلاني. والتغلب فتح باب اقتتال وصفه الشهرستاني “لم يسل سيف على أمر مثل ولاية الأمر”. إذن لا يوجد نص قرآني ولا سني قطعي حول الخلافة لذلك حكمها الأمر الواقع أمر التغلب.

واتخذ الشيعة نهجاً آخر وهو اعتماد تسلسل الأئمة لولاية الأمر أولهم علي بن أبي أطالب (رض) ثم ابنه الحسن (رض) ثم ابنه الحسين (رض) إلى اثني عشر إماماً آخرهم اختفى وسوف يظهر مهدياً.

هذه عقيدة الشيعة الاثنى عشرية وهناك الشيعة الزيدية. ولا يوجد نص قطعي في القرآن ولا في السنة يؤيد هذا الاعتقاد. نعم في الإمامة كما في الخلافة نصوص مختلف عليها ولذلك صار الأمر مدخلاً للخلافات الحادة والاقتتال المستمر حتى يومنا هذا.

بيعة أبي بكر (رض) أكدت بما قاله أن الأمر حق للمؤمنين إذ قال: “وليت عيكم “ولاية بشرية كما كان في سقيفة بني ساعدة”، ولست بخيركم أن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني “المساءلة”، الصدق أمانة والكذب خيانة “الشفافية”، الضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له، والقوى ضعيف حتى آخذ الحق منه “أي سيادة حكم القانون”.

وفي المجال الشيعي الإمام علي بايع بعد فترة أبابكر (رض) وابنه الحسن (رض) بايع بشروط الخليفة معاوية. وبعد ذلك من بويع من الأئمة بويع بيعة خاصة لم تعم الأمة.

آية الله الخميني أدخل إضافة هي ولاية الفقيه. وفي أمر ولاية الفقيه أو الحكم في إيران الولاية تعتمد على آلية انتخابية لا نصوص نقلية.

الانتخاب ليس غريباً على السنة فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار في بيعة العقبة الثانية انتداب 12 نقيباً. والانتخاب ليس غريباً كذلك فعمر (رض) أوكل لكلية انتخابية من ستة صحابة مهمة انتخاب أحدهم. وعلى أية حال إن الترجيح لولاية الأمر بالانتخاب أفضل وأعدل من الركون للتغلب بالقوة.

يرجى أن نعتبر الخلافة كما ذكرها الماوردي والإمامة كما ذكرها الكليني أمنيات بعيدة عن الواقع والبديل الواقعي هو اعتماد ولاية الأمر عن طريق آلية ديمقراطية ملتزمة بالمشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون بموجب دستور ملتزم بقطعيات الوحي وبما يكفل العدالة والحرية واستصحاب النافع من التجارب الإنسانية أي نظام يزاوج بين الواجب والواقع.

· نظام الاقتصاد: الإسلام يوجب أهدافاً اقتصادية عامة كالتعمير، والإنتاج، والكفاية، والعدالة، وأحكام توجب الزكاة وتحرم الربا.

الاقتصاد علم اجتماعي طورته التجارب والمعارف الإنسانية. الاقتصاد الحديث يقبل أن تكون لممارسته أهداف ملتزمة بالإحكام الشرعية وهي نفسها تتطلب التطوير مراعاة للظروف المستجدة والتزاماً بالمقاصد.

· تطبيق الشرعية: هذا الشعار صار مدخلاً لمفاسد كثيرة فرأينا حاكماً محاصراَ يعلن أحكاماً مبتسرة باسم تطبيق الشريعة بلا اجتهاد ذكي ولا مراعاة للواقع كما فعل النظام المايوي في السودان مجرد حيلة لدعم السلطان. وحزب سياسي يلح على تطبيق الشريعة على جناح السرعة قبل موسم الخريف ويستولى على السلطة انقلابياً باسم تطبيق الشريعة ويعلن رائده أننا لم نحضر برنامجنا بل اقتبس النظام أساليب دكتاتوريات في الشرق الأوسط حذوك النعل بالنعل مع أن الحرية والعدالة هما إلى جانب التوحيد لله جوهر نظام الإسلام.

إن لتطبيق الشريعة في هذا العصر فقهاً يتطلب اجتهاداً جديداً حاولت رسم معالمه في كتابي “العقوبات الشرعية وموقعها من النظام الاجتماعي الإسلامي” إنه يتطلب اجتهاداً ذكياً جديداً وإحاطة بالواقع الجديد تماماً والتزاوج بينهما. ومراعاة المقاصد، والمنافع، والأولويات وإلا صار الشعار كما حدث في كثير من الأحيان مدخلاً للإساءة لمقاصد الشريعة باسم تطبيقها.

· آيات الله في الكون ثلاث تجلت بالترتيب الآتي: الطبيعة ثم الإنسان ثم التنزيل الذي ختمه القرآن.

آية الله في الطبيعة نواميسها المطلوب اكتشافها لمعرفة حقيقتها. وآية الله في الإنسان أنه جزء من الطبيعة مفارق لها في ثلاثة أمور أن فيه قبس من روح الله، وأن فيه عقلاً، وأنه مختار.

هذا التأهيل للإنسان يجعل مصادر المعرفة الوحي، والوحي الأصغر الإلهام، والعقل، والتجربة.

الوحي نصوص يحملها الأنبياء وتتطلب التدبر والحكمة. والإلهام هو الوحي الأصغر ويغرف منه الصالحون (اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)[12].

بعض الناس ينكرون أي دور للإلهام اعتماداً على نصوص الوحي وحدها ولكن كما قال الإمام مالك وهو رأي مماثل للإمام الشافعي قال مالك: “من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهم فقد تحقق”.

بالاستنباط من نصوص الوحي وبالشفافية الروحية وبالبرهان العقلي استنبط أئمة الاجتهاد فقهاً عظيماً حوله أصاحبهم إلى مذاهب ملزمة لكن الأئمة أنفسهم ما كانوا يريدون هذا التحزب.

الآن لدينا طائفة من المذاهب الاجتهادية هي: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والظاهري، والاباضي، والجعفري، والزيدي. وهي اجتهادات عظيمة ولكنها اجتهادات بشرية غير ملزمة ولا يجوز جعلها أساساً للتعصب بل كما سماها الإمام أحمد بن حنبل بدل الاختلاف “مناهج السعة في الفقه”. فلا مبرر لمقولة جوهرة التوحيد:

وَمَالِكٌ وَسَائِرُ اْلأَئِمَّهْ    وأَبُو الْقَاسِمْ هُدَاةُ اْلأُمَّهْ

فَوَاجِبٌ تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُم    كَذَا قضى الْقَوْمُ بِلَفْظٍ يُفْهَمُ

لا مبرر للإلزام ولا للتعصب وينبغي الاعتراف والتعايش المتبادل فكلها اجتهادات مخلصة وتقوم على أساس معتدل: “قولنا صحيح يحتمل الخطأ وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب”. وإذا كان فهم القرآن يستوجب التدبر فمن باب أولى تحتمل اجتهادات الأئمة التدبر وباب الاجتهاد أبداً مفتوح المهم إتباع قواعده.

· الجهاد: الجهاد مصدر جاهد يجاهد جهاداً يعني بذل الجُهد أي الطاقة لإعلاء كلمة الله.

الجهاد واسع الأبواب يبدأ بجهاد النفس الذي وصفه النبي بأنه الجهاد الأكبر. حديث قيل ضعيف ولكن معناه قوي لأن الأمر كما قال الحكيم العربي:

كَيْفَ احْتِرَاسِي مِنْ عَدُوِّي    إِذَا كَانَ عَدُوِّي بَيْنَ أَضْلاعِي

بعض المسلمين اعتبر الآية الخامسة من سورة التوبة: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). محكمة وناسخة لكل آيات التسامح وهي أكثر من مائة آية في 48 سورة.

وقال المرحوم سيد قطب: “في كتاب الله سورة براءة تضمنت أحكاماً نهائية بين الأمة الإٍسلامية وسائر الأمم في الأرض”.

ولكن الآية الخامسة سبقتها الآية الرابعة استثنت (الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ). وتبعت الآية الخامسة الآية السادسة وهي تنص على تسامح: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ). وفي نفس السورة آية هي المبررة للقتال لا اختلاف الملة. الآية 13 ونصها (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخْشَوْنَهُمْۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). ولكن الفهم المعزول لآية السيف صار حجة لدى بعض المسلمين لقتال الطلب واعتبروا الحديث: “بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ بالسَّيْفِ، حتى يُعبدَ اللهُ وحدَه لا شريك له” حديث صححه قوم ولكنه يعارض نصاً قرآنياً ويعارض الواقع فأين الساعة بعد ألف وأربعمائة عام؟ هذا الفهم صار حجة لمن قالوا إن الإسلام انتشر بالسيف بل كفروا من يرفض هذا الوصف. وأسسوا على هذا الفهم فهما إقصائياً للولاء والبراء.

ولكن الحقيقة أن الإسلام لم ينتشر بالسيف كما وثق لذلك أحد المستشرقين النابهين السير توماس أرنولد. ودليل واقعي هو أن الإسلام فتح المدينة بالقرآن واستمال الجزيرة العربية في عامي صلح الحديبية. وانتشر سلمياً في أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا. واليوم ينتشر سلمياً في أوربا وأمريكا.

الدعوة للإسلام تقوم على قوله تعالى:(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[13]. والعلاقة مع الآخر تقوم على أساس قوله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[14].

ولكن هذا الفهم الصحيح والذي فيه مصلحة الإسلام في زمن فيه غير المسلمين هم الأقوى مرفوض لدى مدرسة القائلين بالحاكمية وهي مقولة مثل مقولة الخوارج (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِۚ)[15].

وتأسيساً على هذه المدرسة قال اجتهاد القاعدة وداعش الذين استباحوا قتال الطلب وأسلوب الإرهاب كما قال عبد الله عزام مؤسس القاعدة: “إن العديد من المسلمين يعرفون الحديث الذي أمر النبي صحابته ألا يقتلوا أي امرأة ولا طفل ولا شيخ ولكن القليلين يعرفون أن هناك استثناءات من هذه الحالة”. خلاصة القول أن على المسلمين ألا يوقفوا هجوماً على المشركين لوجود نساء وأطفال غير مقالتين”. وعلى هذا النمط من التخلي عن وضوابط القتال في الإسلام أصدرت القاعدة فتوى في 1998م بأن قتل الأمريكان جنوداً ومدنيين في كل أنحاء العالم فرض عين علي المسلمين. هذا فكر حاضن للإرهاب. ولكن حواضن الإرهاب السياسية والعملية كانت من تداعيات غزو أفغانستان السوفيتي غزو استنفر عملاً جهادياً ساهمت فيه القاعدة بدعم أمريكي وعربي تدريباً وتسليحاً وتمويلاً فالقاعدة بعد جلاء القوات السوفيتية وجهت نفس العقيدة القتالية ضد الأمريكان لإجلائهم من البلاد الإسلامية. ومن تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق اختلال التوازن الطائفي في العراق لغير صالح أهل السنة مما جعل فرع القاعدة في العراق وسوريا يتجه لإقامة “خلافة ” سنية بالوسائل الإرهابية. إذن للتدخل الأجنبي دور مهم في أسباب تكوين القاعدة وداعش ثم بعد ذلك قاد التحالف الغربي حملة عالمية ضد القاعدة وداعش ما أتاح لهما ادعاء أنهما يتعرضان لغزو صليبي صهيوني. والتركيز الذي يمارسه هذا التحالف على إسقاط الخلافة المزعومة في الموصل والرقة على الوسائل العسكرية ودون مراعاة لما سوف يحدث بعد ذلك سوف يؤدي في العراق بسبب الدور الكبير الذي يقوم به الحشد الشيعي إلى مزيد من غبن أهل السنة. كذلك فإن الدور الكبير الذي تقوم به القوات الكردية في الرقة سوف تؤدي لخلل اثني آخر في المنطقة.

المطلوب أن تعرف المسؤولية عن تكوين إرهاب القاعدة وداعش، كذلك أن يضبط اصطلاح الإرهاب حتى لا يستخدمه الحكام لوصف معارضيهم. الإرهاب هو إرهاب أهلي وهو الهجوم المباغت الذي تمارسه جماعة أو أفراد ضد قوات الأمن والمدنيين والبنيات التحتية دون أية ضوابط من أحكام القتال في الإسلام أو ضوابط الحرب الوضعية. وربما مارست الدولة إرهاباً ضد مواطنيها بسياسة البطش والتعذيب إي إرهاب رسمي.

· العلاقات مع الآخر الملي والدولي: بعض المسلمين يعتبرون علة القتال في الإسلام هي اختلاف الملة وهذا خطأ جسيم فعلة القتال في الإسلام هي العدوان. كما أن هؤلاء بفهم إقصائي للولاء والبراء يعتبرون ديار المسلمين هي وحدها دار السلام أما بقية أنحاء العالم فدار حرب. أي أن المسلمين وهم خمس سكان العالم لا علاقة لهم بالأربعة أخماس الأخرى إلا العداء بأن يقروا بسلطان المسلمين بدفع الجزية أو يحاربون، ولكن الإسلام سن التعاهد الذي يمكن أن ينظم علاقات عهد بين المسلمين والآخرين على نحو ما في نظام الأمم المتحدة.

نعم نظام الأمم المتحدة الحالي ناقص العدالة ويستوجب إصلاحاً ولكن مبدأ إقامة العلاقات بين الدول على أساس المعاهدة والمعاملة بالمثل مبدأ صحيح وهو كذلك مبدأ ضروري لأن قوة الآخرين الإستراتيجية والعسكرية غالبة كما أن مناخ التعايش السلمي أتاح فرصة تمدد الإسلام رغم ضعف الدول الإسلامية.

3. انطلاقاً من هذه المبادئ الثمانية وسعياً وراء كلمة سواء بين الجماعات الإسلامية المهمة في السودان ينبغي أن ندرك جميعاً أن التعايش بيننا ضرورة دينية (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[16]. وضرورة إنسانية لأن للإنسان حقوقاً ملزمة وضرورة وطنية لأن الأمن القومي الوطني يتطلب من الجميع إجراء مراجعات تجعل التعايش السلمي بينها ممكناً والتعامل علي أساس (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)[17] واجباً .

(‌أ) مراجعات الأنصار: الدعوة الأنصارية انطلقت من دعوة الإمام المهدي واهم المراجعات في هذا الصدد أن هذه الدعوة لا تتعلق بمهدية آخر الزمان ولا مهدية من غاب منذ 14 قرن ويعود مهدياً بل تقوم على أساس وظيفة إحياء الكتاب والسنة والإتباع في الشعائر العبادية والحركة في المعاملات والإحكام على أساس “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان واوان رجال”. ومقولة صاحب الدعوة أن ما وجد مخالفا للكتاب والسنة من أقواله وأفعاله لا يعبأ به”.

تطلبت مرحلة التحرير وتوحيد الوطن وإقامة الدولة نهجاً أحادياً تخلى عنه المؤسس الثاني للدعوة الإمام عبد الرحمن واعتمد شرعية التعددية في مناهج المسلمين. ونحن في المرحلة الثالثة نعتمد هذه الهيكلة الجديدة ونؤكد استعدادنا للالتزام باستحقاقات الحياة المعاصرة وباستحقاقات توحيد أهل القبلة حول ما يجمع بينهم والتعايش السلمي بالحسنى فيما يفرق بينهم.

(‌ب) السلفية: الدعوات السلفية قامت بواجبات مهمة في صد الاحتلال الأجنبي في كثير من المواقع وفي التصدي للغزو الثقافي وفي التأصيل التربوي. السلفية في الثوابت واجب ديني ولكن ينبغي ألا ينقل هذا المنطق للمعاملات والعادات وهي بطبيعتها متحركة على نحو مقولة ابن القيم: “اختلاف الفتوى باختلاف ظروف الزمان والمكان والأحوال”. ومقولة “أن على الفقيه تحديد الواجب اجتهاداً والإحاطة بالواقع والتزاوج بينهما”.

وفي هذا المجال المتحرك ينبغي مراعاة المقاصد على حد مقولة الفقيه الحنبلي أبو الوفاء بن عقيل. وعليهم التخلي عن نهج التكفير للآخرين من شيعة وصوفية.

(‌ج) الصوفية: الصوفية قاموا بدور مهم في أسلمة السودان سلمياً. وساهموا في عمران السودان إذ صارت كثير من المدن عامرة حول مسايدهم. وساهموا في إحياء نار القرآن وفي تربية المريدين وفي بث ثقافة التسامح والتواضع في سلوك المجتمع السوداني. وعليهم مراجعة أمرين هما تنقية الثقافة الصوفية مما دب فيها من غرائب وتفعيل دور النصح في المجالات السياسية والاجتماعية على نحو سنة الشيخ إدريس ود الأرباب.

(‌د) الأخوان المسلمون: حركة الأخوان المسلمين قامت بدور مهم في بسط هداية الإسلام في المجتمع الحديث ولكن عليهم التخلي عن وصف أنفسهم بالحركة الإسلامية فالحركة الإسلامية أوسع من عطائهم. ونتيجة للتجربة عليهم الاعتراف بخطأ الانقلاب العسكري كوسيلة للدعوة وخطأ إقامة الحكم على التمكين فالنهج الانقلابي والتمكين والتخلي عن مبادئ الإسلام السياسية في كفالة الحرية والعدالة أضرت بهم وبالسودان وبالنهج الإسلامي فيه والمطلوب إجراء مراجعات على نحو ما جاء في دستور “جماعة الفكر والثقافة الإسلامية”. هذه المراجعات مطلوبة لكل المنظمات ذات المرجعية الاخوانية.

(‌ه) الحركات الجهادية التكفيرية: هؤلاء جدير بهم دراسة المراجعات الجادة التي قامت بها الحركات الجهادية المصرية ما أثمرت أدبيات مهمة تنقلهم من التكفير والإرهاب وتؤهلهم للانخراط في الجسم الإسلامي.

(‌و) العلاقة بالآخر الملي: العلاقة بأهل الدين اليهودي والمسيحي تربطنا بهم ملة إبراهيم وتستوجب التعايش بموجب خصوصية العلاقة بأهل الكتاب.

أما العلاقة مع سائر أصحاب الملل والنحل غير الإسلامية وغير الكتابية فتقوم على مبدأ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِۖ)[18]. واحترام منظومة حقوق الإنسان.

يرجى أن نقوم جميعاً بالمراجعات المطلوبة وأن نتنادى لبرلمان شعبي إسلامي لإبرام ميثاق المهتدين.

4. مهما حققنا من هندسة جديدة للتعايش في الجسم الإسلامي في السودان فإن السودان ليس جزيرة معزولة بل يؤثر في محيط الأمة ويتأثر به. هنالك نذر استقطاب سني شيعي يوشك أن يشعل الحروب بلا طائل التي تستنسخ واقعة صفين قبل 14 قرن، هذه قضية تتطلب أن يعكف عليها منتدى الوسطية العالمي لإبرام معاهدة سنية شيعية وافية تجعل من أزمة الاستقطاب الحالية فرصة لمحو أثار مقولات روافض ونواصب غالى كلمة سواء بين المسلمين.

ولكن الأمر العاجل الآن هو التصدي لأزمة دول الخليج والعقوبات لعزل دولة قطر.

إن الانحياز في هذه المحنة لا يخدم مصلحة الأمة بل يؤجج الموقف إلى فتنة (لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً)[19].

كما أن القول بالحياد قعود عن الواجب لإخماد الفتنة بل الصحيح اعتبار أن مع كل أزمة فرصة فما العمل؟

يرجي الاعتراف بالمبادئ الآتية التي لا ينكرها إلا غافل هي:

(‌أ) إن للمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية مركز الشقيقتين الكبيرين الواجب احترامه.

(‌ب) أن لقطر دوراً إيجابياً مهماً في مجالات كثيرة صلح لبنان، صلح دارفور، حوار طالبان، كسر حصار غزة، ومبادرات كثيرة عربية ودولية وهي ادوار من مصلحة الأمة تشجيعها.

(‌ج) الشروط العشرة المقترحة للصلح إملاء منتصر على مهزوم ولا يقبلها كما هي إلا من قلت حيلته.

(‌د) إن لقطر ظروفاً مادية ومعنوية تمكنها من ردة فعل مؤثرة بل يفتح المجال للاعبين إقليميين ودوليين مناصرين.

(‌ه) ينبغي توحيد الموقف ضد الإرهاب والتعاون ضده ولكن يعرف الإرهاب على حقيقته ولا يشمل ذلك حركات التحرير المشروعة.

(‌و) دولة الكويت مؤهلة أن تستعين بآخرين مثل عمان للقيام بالوساطة لإبرام اجتماع بين أطراف النزاع دون شروط مسبقة.

(‌ز) هذا الاجتماع سيهدف إلى:

– ترميم التضامن الخليجي ضمن تضامن عربي وإسلامي.

– الاعتراف بحرية الحركة للدول الأعضاء في المجالات البناءة.

– تنسيق العمل ضد الإرهاب بالتعريف الصحيح للإرهاب الذي لا يشمل حركات التحرير.

– الاتفاق على أسس للتعامل الايجابي مع تركيا وإيران بشرط تجاوبهما مع هذه الايجابية.

– ضبط التعامل مع إسرائيل على أساس الثوابت العربية والإسلامية.

المرجو أن تسعى الوساطة لعقد هذا الاجتماع. وعلى صعيد آخر الصعيد الشعبي سوف نتحرك عبر منتدى الوسطية العالمي لتكوين منبر يبحث هذه القضايا ويساهم في مخاطبة الرأي العام في الدول المتنازعة وفي الرأي العام العربي والإسلامي عامة والرأي العام الدولي.

في هذا الموقف الحساس لا عذر لأحد أن ينخرط في انحياز أو يلبس رداء الحياد الكسول بل ينبغي الالتزام بما من شانه إيجاد مخرج عادل.

المرجعية الروحية لهذا الجهد (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاۖ)[20].

والمرجعية العقلية لهذا الجهد هي مقولة “أي عمل يحقق عكس مقاصده باطل”.

إن هذا المسعى هو وجه من وجوه الجهاد في سبيل الله حبذا الإقدام عليه في يوم ذكري الجهاد 17 رمضان .

والله ولي التوفيق.

_________________________________________________________

[1] رواه البخاري

[2] رواه مسلم

[3] رواه مسلم

[4] رواه مسلم

[5] رواه الإمام أحمد

[6] سورة يونس الآية (99)

[7] سورة هود الآية (118)

[8] سورة البقرة الآية (251)

[9] سورة الأنعام الآية (38)

[10] سورة الحجر الآية (35)

[11] سورة طه الآية (50)

[12] سورة الحديد الآية (28)

[13] سورة النحل الآية (125)

[14] سورة الممتحنة الآيتان (8،9)

[15] سورة يوسف الآية (40)

[16] سورة الحجرات الآية (10)

[17] سورة النحل الآية (125)

[18] سورة البقرة الآية (256)

[19] سورة الأنفال الآية (25)

[20] سورة الحجرات الآية (9)

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*