فقه الأسلمة

بسم الله الرحمن الرحيم

فقه الأسلمة

(قواعد لصحيفة القرن الخامس عشر الهجري

 والواحد وعشرون الميلادي)

 

16/11/2014م

 

الإسلام اليوم هو القوة الثقافية الأرجح عالمياً، كما هو في البلدان الإسلامية التطلع الراجح على الفكرويات الوضعية، وتعددت الأطروحات الاجتهادية للتعبير عن هذا التطلع الإسلامي.

هذا اجتهاد يحث عليه الذكر الحكيم: (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ)[1] وحديث المصطفى (ص): “يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ”[2].

يرجى أن يتفق المجتهدون على هذه القواعد فالبناء بلا خريطة عشوائي.

الإسلام تسليم لإرادة الله، ومن إرادته التنزيل، ومن إرادته أن يكون للإنسان كسبٌ، لذلك بين النقل والعقل والإلهام تكامل.

  1. الوافد من الماضي منقول، ولكن يدخل العقل والإلهام في فهمنا له.
  2. الوافد من الماضي على قسمين: ثابت ومتحرك.
  3. الثوابت في العقائد والعبادات والواجب الإحاطة بها والالتزام بها، هذه هي السلفية الصحيحة.
  4. المعاملات تحكمها مباديء ومقاصد الشريعة ولكنها متحركة وإلا حالت دون مراعاة مستجدات الزمان والمكان استصلاحاً، واستصحاباً، واستنهاضاً لمقاصد الشريعة في الواقع الفكري والاجتماعي المختلف.
  5. في مجال المتحركات علينا أن ندرك الواجب اجتهاداً يرفده العقل، والنفع، والمقاصد، والإلهام، وأن نحيط بالواقع إحاطة واعية، ثم نزاوج بينهما.
  6. الواقع الصالح مصدر محكم بل هو من أسس المعروف والمنكر.
  7. الواجب مقيد بالاستطاعة: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)[3].
  8. الملزم من المنقول هو القطعي وروداً والقطعي دلالة من الكتاب والسنة، ومقياس السنة الملزمة بعد صحة السند المتن الذي لا يتعارض مع القرآن ولا مع المقاصد.
  9. فرق الإسلام الأساسية منطلقة من أسس ملزمة:
  • أهل السنة من الاقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
  • الشيعة من تكريم آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
  • التصوف من أن للتعاليم الإسلامية أغواراً روحية.

ولكن لكل من هؤلاء عقائد مذهبية ملزمة لهم ولا تلزم غيرهم.

  1. هنالك اختلافات ذات مرجعية تاريخية علينا أن نحيط بها للعلم ولكن لا أن نتخذها أساساً لعصبية: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ)[4].
  2. أدب الاختلاف في الإسلام يقوم على الاتفاق على القطعيات والمجادلة بالتي هي أحسن على الاجتهاديات، وما لا يمكن الاتفاق حوله بالحسنى أمره لله.
  3. الدعوة للإسلام تلتزم الحجة والبرهان، وتنبذ الإكراه والتكفير.
  4. العمل من أجل الأسلمة يتطلب وعياً بفقه الأولويات، وبفقه التدرج، وبنفي الحرج.
  5. التنوع الثقافي، والاثني فطرة في البشر: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)[5] هذا يوجب الاعتراف بالتنوع في كافة المجالات لا سيما في المجتمع الحديث الذي صار فيه التنوع الإنساني من حقوق الإنسان.
  6. إن للمرأة حقاً مساوياً للرجل إنسانياً وإيمانياً، ومواطنياً، واجتماعياً، واختلاف النوع اختلاف تكامل لا تترتب عليه دونية المرأة.
  7. الحرية أصل في إرادة الله للإنسان (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)[6] وهي أي الحرية أساس للأخلاق فلا قيمة لأخلاق جبرية.
  8. العدالة أصل في إرادة الله للإنسان بل هي صنو التوحيد بالله، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)[7] وهي أساس للسلام الاجتماعي فلا سلام بلا عدالة.
  9. عالم الغيب من حقائق الوحي، (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ)[8]، وعالم الشهادة يقوم على حقائق هي سننه: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)[9]، والإنسان مكلف بالعقل والتجربة باكتشاف سنن الكون ما يعني حرية البحث العلمي.
  10. في أمر سياسة الحكم هنالك مبادئ عامة: المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. وللبشر الحق في الاجتهاد في تطبيقها ولكن لا يحق لأحد أن يجعل من اجتهاده إدعاء بأنه يمثل حاكمية الله. الله هو رب العالمين وولاية الأمر مفوضة للخلق يجتهدون في تطبيق المبادئ، واجتهادهم ملزم لهم بلا إدعاء ثيوقراطية باعتبارهم وكلاء الله. بهذا نمحو شبهة الحاكمية التي فتنت الخوارج ومن اتبع اجتهادهم.
  11. وفي أمر الاقتصاد هنالك مبادئ عامة مثل الإعمار، والتكسب، والتكافل وللبشر الحق في الاجتهاد لتطبيقها.

وفي حالتي السياسة والاقتصاد، هنالك أحكام محددة في العقوبات كالحدود، وفي التكافل كإيجاب الزكاة، وتحريم الربا، وتحريم الغلول حفظاً للمال العام. ينبغي الاجتهاد لتطبيق تلك الأحكام بما لا يبطل مقاصدها.

وفي حالتي السياسة والاقتصاد فإن المبادئ التي اهتدى إليها علم  السياسة وعلم الاقتصاد تطابق مبادئ الإسلام، ما يصدق عليه قوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ* وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ)[10].

  1. الفقر أخو الكفر، وكثيراً ما يقترن فقر الكثرة بثراء القلة ما يخل بالسلام الاجتماعي. إزالة الفقر وعدالة توزيع الثروة واجب ديني مثلما هو واجب إنساني.
  2. الطفولة مشتل الإنسانية ما يوجب عناية خاصة بالأطفال وحقوقهم وتربيتهم، والشباب ركيزة الحاضر وأمل المستقبل ما يوجب برامج خاصة لإصلاح حالهم وإشباع تطلعاتهم، والعطالة تتناقض مع إعمار الكون وحقوق الإنسان، ما أوجب القضاء عليها.
  3. التعصب آفة الالتزام البشرى، والتعطيل إهدار للقيم. الإفراط والتفريط من حبائل الشيطان ما يوجب التخلي عنهما لتحقيق المنهج الإسلامي الأوسط في الأمور.
  4. الجماليات كامنة في فطرة الإنسان، ولا تخلو ثقافة إنسانية من الفنون المتعلقة بها، وموقف الإسلام من الجماليات إيجابي باعتباره دين الفطرة.
  5. ثورة الاتصالات، والمعلومات، والمواصلات،  قاربت بين أطراف الأرض، والعولمة في كثير من وجوهها مرحلة جديدة من تطور البشرية تتقبلها رسالة الإسلام الأممية، ولكن ظروف العالم الذاتية التي مكنت بعض الدول الكبرى من الهيمنة اقتصادياً وعسكرياً شوهت العولمة ما يوجب قبول إيجابياتها والحماية من سلبياتها.
  6. التطور العلمي الحديث والتكنولوجيا من وجوه إعمار الكون (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)[11] أي جعلكم عمارها. الواجب استصحاب التقدم العلمي والتكنولوجي كمنتجين لا مجرد مستهلكين.
  7. الدولة الوطنية هي في واقع اليوم آلية الإدارة السياسية والاقتصادية للمجتمعات، ودمجها في دولة واحدة غير ممكن، ولكن تكوين منظومة دولية بأهداف مشتركة ممكن بل ضروري.
  8. علاقاتنا بالآخر الملي تقوم على الاعتراف بالتعددية الملية ومبدأ (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)[12]، وقوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)[13] لذلك يرجى إبرام ميثاق تعايش سلمي بين الأديان وحثها جميعاً على الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وهي الكرامة، والعدالة، والحرية، والمساواة، والسلام ما يجعل لها جميعاً مرجعية إنسانية واحدة.
  9. علة القتال في الإسلام جهاداً هي العدوان، وينبغي التعامل مع الآخر الدولي على أساس: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[14].
  10. الذين يسوقهم اجتهادهم إلى القول بنهج إسلامي معين ويعملون على فرضه على الآخرين بالقوة باسم الجهاد يسيئون للإسلام، فلا يجوز لأحد أن يفرض اجتهاده على الآخرين، وعلة القتال في الإسلام العدوان لا اختلاف الدين ولا اختلاف المذهب، نهج القاعدة وداعش وأخواتهما يفهم في إطار ردود فعل لظروف معينة وإدعاؤهما الحديث باسم الإسلام باطل.
  11. ظروف اضطهاد معينة دفعت مسلمين إلى إعلاء شأن ولاية الأمر والقول بالحاكمية ما دفعهم إلى العمل على احتكار ولاية الأمر كواجب ديني وتكفير الآخرين. هذا النهج باطل.
  12. العلمانية بمعنى إنكار الغيب باطلة، أما القول بالمجتمع المدني أي الذي يكفل المساواة في المواطنة، والقول بالعقلانية في عالم الشهادة فهي مطالب مقبولة على ألا يكون في ذلك حجر على حق المجموعات الدينية العمل على تطبيق أحكام دينها دون مساس بحقوق المواطنة وعن طريق الوسائل الديمقراطية.
  13. عالم اليوم المتداخل في بعضه بصورة غير مسبوقة والذي فيه تطور في العلوم الطبيعية والتكنولوجيا، فيه أيضا دلائل مجاعة روحية وأخلاقية، إن الله كما أنزل الكتاب أنزل الحكمة. الحكمة توجب أن نهاجر إلى ثقافتهم تكنولوجيا وأن يهاجروا لثقافتنا روحياً وأخلاقياً.
  14. تعاليم الإسلام تحث على الحرص على سلامة البيئة الطبيعية، والوعي الإنساني في تطوره أدرك أهمية الحفاظ على سلامة البيئة ههنا أيد العقلُ النقلُ.
  15. ينبغي أن نراجع مراجع التعليم وآلياته لغرس هذه المعاني في الأجيال الناشئة.
  16. المعاني المذكورة ههنا ينبغي أن تصير مادة لصحوة ثقافية، فالصحوة الثقافية هي التي تجعلنا نتعامل مع الوافد من الماضي دون انكفاء والوافد من العصر دون استلاب.
  17. الإعلام بأدواته المختلفة هو أقوى وسائل التثاقف والتنوير وتوفير المعلومات في هذا العصر، ينبغي أن يحرر الإعلام من دوره الحاضر المتقلب بين تحرش عقلي، وتحرش جنسي وبوق دعائي لسياسات سلطوية، إلى وسائل لخدمة ضرورات الإنسانية العشر (الروحية، والمادية، والعقلية، والأخلاقية، والاجتماعية، والعاطفية والجمالية، والرياضية، والترفيهية، والبيئية)، داعياً للإحياء المؤصل.
  18. هنالك من يريدون بالإفراط ربط حاضرنا بماضٍ منقرض، وآخرون يريدون استلاب مثلنا وهويتنا بتفريط مستلب، لذلك ينبغي أن يتضامن المجتهدون والمجددون لوضع خريطة طريق للإحياء الإسلامي في هذا العصر.
  19. في عالم اليوم يثمر الاجتهاد الفردي في المجلات البحثية والأكاديمية، ولكن فيما يتعلق بأمر المصير فإن المطلوب هو تحرك جماعي عبر ملتقى جامع لتدارس التحديات والاتفاق لكتابة صحيفة القرن الخامس عشر الهجري للإحياء الإسلامي.

 

والله ولي التوفيق.

 

 

 

[1] سورة الأنعام الآية (89)

[2] رواه البيهقي

[3] سورة التغابن الآية (16)

[4] سورة البقرة الآية (134)

[5] سورة الروم الآية (22)

[6] سورة الكهف الآية (29)

[7] سورة النحل الآية (90)

[8] سورة الإسراء الآية (105)

[9] سورة الحجر الآية (85)

[10] سورة الذاريات الآيتان (20، 21)

[11] سورة هود الآية (61)

[12] سورة البقرة الآية (256)

[13] سورة الكافرون الآية (6)

[14] سورة الممتحنة الآية (8)

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*