في الذكرى السابعة للسيد محمد أبو القاسم الحاج حمد

الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار  ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان
الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم

 كلمة الإمام الصادق المهدي

 يناير 2012

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه

أخواني وأخواتي أبنائي وبناتي

السلام عليكم وعليكن ورحمة الله، وبعد

هذه هي المرة الثانية التي أدعى فيها للمشاركة في تخليد ذكرى الأخ الراحل محمد أبو القاسم الحاج حمد، هذه المرة بتنظيم مركز التنوير المعرفي مشكورا على قيامه بهذا العمل، ولا غرو فقد كان الفقيد الراحل من أعلام الفكر السوداني ومن أكثر الناس اهتماما بالمعرفة وبالتنوير، وكان إضافة لذلك من أعلام السياسة والدبلوماسية الشعبية، وقد ساهم بأعمال تخلده في ذاكرة الوطن والأجيال القادمة.

 كثير من المفكرين السودانيين لا يشتغلون بالسياسة وكثير من الساسة لا يشتغلون بالفكر. ولكن فقيدنا جمع بين الهمين والحقيقة أن الفكر بلا سياسة مُقعد والسياسة بلا فكر عمياء.

 وكثير من الساسة محصورون فى الواقع الداخلي غير معنيين بما يحيط بالسودان إقليمياً ودولياً. والحقيقة لا سيما في عالم اليوم فإن أحداث السودان لا يمكن فهمها معزولة من محيطه الإقليمي في حوض النيل وحوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي وأفريقيا الوسطى والغربية والإقليم المحيط بنا، بل قارتنا الأفريقية وجوارنا جنوب وغرب آسيا جزء من كلٍّ دولي يؤثر فيه ويتأثر به. كان فقيدنا الراحل ملما بالسياسة السودانية مهتما بمحيطها الأدنى الإقليمي ومحيطها الأوسع الدولي بصورة نادرة.

 عرفت الراحل مؤخراً وسبقته لدي مؤلفاته وآراؤه المنشورة لا سيما كتابه السودان “المأزق التاريخي وآفاق المستقبل”. ومهما فرقت بيننا الرؤى والآراء فقد جمعت بيننا مودة واحترام متبادلين وحرص على الحوار الهادف وتبادل الآراء بصورة قاربت بيننا فى بعض القضايا وجعلتني في بعض أسفاري أحرص على مقابلته والاستفادة من معلوماته وتحليلاته. فكل عاقل يدرك: نصف رأيك عند أخيك.

اختلف مع كثير مما ورد فى كتابه الأشهر عن المأزق التاريخي، ولكنني اتفق معه فى أمرين مهمين هما: وجود جاذب تاريخي يستلب إرادة الشتات السوداني إلى وحدة فعلية على حد تعبيره، وأن السودان حسبما تقرره جدليته موقفا وتاريخاً وطبيعة يعرف نفسه ويتعرف عليها حين يتدافع عبر مساره أهله من عرب، وبجة، وزنوج ونوبة، ونوباويين. هذا الذى أسميه السودان العريض المقابل الجدلي للسودان الإقصائي البغيض والسودان الاحتجاجي النقيض. أوافقه أيضاً أن كوش بفرعيها الشمالى فى نبتة والجنوبي في مروي لم يدركها المحو التام بل غذت الخصوصية السودانية. ولكنه لم يشأ أن يعتبر المهدية تعبيراً لاحقا عن نبتة ومروي بمرجعية إسلامية كانت هى الأخرى تعبيراً سودانيا عن الصدر الإسلامي الأول. واعتبر المهدية من أصل غرب سوداني لم يلحق به سودان النيل إلا بعد أن صار المهدي منتصراً. هكذا أغفل التجربة الذاتية للمهدي نفسه فلولا أنه نتيجة لرياضاته الروحية أيقن بما سماه “هجمت علي الولاية الكبرى: المهدية” لما كان لدعوته ذلك الأثر القوي على نفسه وعلى المباشرين حوله. الفكر الوضعي لا يحفل بالتجارب الروحية مع أن التجارب الروحية هى التى تفسر إخلاص أصحابها فى دعواتهم. هذا هو المعنى الذى صاغه الصوفي:

 قلوب العاشقين لها عيون *** ترى ما لا يراه الناظرونا

 إن فكرة المهدية أعم مما تصور الكاتب فهي محل إجماع فى التراث الإسلامي السني، والشيعي والصوفي وفى واقع الحال راجت فى السودان الغربي من أقوال الشيخ عثمان دان فوديو، وراجت فى سودان وادي النيل، فأكثرية الطرق الصوفية النيلية تطلعت للمهدية وقد ذكرها السيد محمد عثمان الختم، والشيخ إسماعيل الولي، وكثر ذكرها لدى أعلام السمانية خاصة الشيخ الطيب والشيخ القرشي ود الزين.

 كانت المهدية تجربة روحية لصاحبها أحاطت بها أصداء مهدوية فى سودان الغرب وسودان وادي النيل وخاطبت واقعاً سياسياً اجتماعياً محملاً بدواعي الثورة. لقد كان دور خليفة المهدي في المهدية كبيراً وهو مؤسس الدولة التى واجهت كل التحديات. الحقيقة التاريخية أن المهدي اتجه غرباً بعد واقعة الجزيرة أبا لضرورات أمنية وأن المهدية وجدت تجاوباً واسعاً فى غرب السودان. ولكن هذا لا يقلل من تجاوب سودان وادي النيل فالجزيرة، والشرق والشمال تحركوا قبل تحرير الخرطوم وكان غالبية قواد المهدية فى المرحلة الأولى من سودان وادي النيل. والمهدي نفسه تجول في كافة مساجد سودان وادي النيل وتتلمذ على كثير من شيوخها وصادق كثيرا من أعلامها وكانوا بعد ذلك زملاؤه وأعوانه في الثورة ومنهم الشيخ علي الحلو الذي صار خليفة الفاروق في الهيكل المهدوي، والشيخ العبيد ود بدر الذي قاد جحافل حصار الخرطوم، والشيخ محمد الخير صاحب خلاوى الغبش ببربر الذي صار عاملا على بربر في المهدية، وهلم جرا.

 الحقيقة هي أن المهدية تمثل أول تجربة حديثة مشتركة بين غرب السودان وسودان وادي النيل. هذه حقيقة مازالت قائمة فكيان الأنصار الحديث وحزب الأمة يمثلان “مسمار النص” بين سودان الفاشر وسودان سنار. وإرث المهدية يشكل أحد مصدات رياح التمزيق التي تهب علينا الآن بقوة بعد انفصال الجنوب وحديث المسلحين الحالي عن تقرير المصير للجهات المحتجة. فدور الغرب المحوري فيها يحسب لها وللوحدة السودانية لا خصما عليها.

 نعم كانت الحركة الاستقلالية كما قال فقيدنا تعبيرا عن خصوصية سودانية ولكن الحركة الاتحادية كذلك، ولذلك تحولت نحو الاستقلال بسهولة مدهشة عندما أخفقت حكومة الثورة المصرية في إدارة التعامل مع الخصوصية السودانية.

 ليس صحيحاً كما قال فقيدنا إن مروي كانت متخلفة عن نبتة بل كانت أكثر حيوية حتى من الناحية المادية فأفران صهر الحديد فى مروي تروى أنها كانت شفيلد زمانها. واستطاعت أن تدافع عن هويتها الثقافية والدينية لمدة أطول من كافة الحضارات المعاصرة. وشهدت مروي الأبجدية الأولى في التاريخ، كما شهدت استقلالا ثقافيا في عبادة الأسد أبادماك بدلا عن الكبش آمون، وكانت مروي هي بنت الأرض السودانية على نحو أبلغ، وفيها ظهر التقدير الأسمى للأنثى وشهدت الكنداكات.

 المشكلة التاريخية الكبيرة هى محاولة تأسيس علاقة السودان بمصر على فتوحات محمد علي باشا إنها محطة يرفضها كل وطني غيور استقلاليا كان ام اتحاديا. السودان الحديث سوف يرسم معالم علاقة مصيرية بمصر مشدودة لمصالح مشتركة ومصير مشترك بصورة تأخذ فى الحسبان الخصوصية السودانية والحاجة للوحدة الوطنية السودانية كما تأخذ فى الحسبان روابط السودان الأخرى بشرقي وغربي أفريقيا وحوض النيل، وحوض البحر الأحمر، والمغرب العربي.

 ومثلما قال فقيدنا رحمه الله عن تطلع لسودان عريض مرآة للتنوع فإن علاقة السودان الإقليمية بمصر المتوسطية حتمية ومصيرية ولكنها لن تكون زواجاً كاثوليكيا بل تعدديا. إن التحدي الذي يواجه الفكر والسياسة فى السودان هو استيعاب التنوع الداخلي فى ديباجته الوطنية، واستيعاب التعددية فى محيطه الإقليمي بما يخلط حوض النيل بحوض البحر الأحمر وحوض الأبيض المتوسط. إنه من فضل صاحب الذكرى أنه وضع هذه القضايا فى أجندتنا الفكرية السياسية ليجد فى تناولها العقل السياسى السوداني الذي يواجه اليوم تحديا قويا لا سيما من أولئك الذين لا يدركون وجود جاذب تاريخي يستلب إرادة الشتات السوداني إلى وحدة فعلية، وأولئك الذين يركزون على السودان شمال الصحرائي أو الآخرين الذين يركزون على السودان جنوب الصحرائي والحقيقة أن قدر السودان أن يكون واصلا لدفتي الصحراء مثلما هو كذلك فى حوض النيل وحوض البحر الأحمر.

 التطلع للعلاقة الخاصة بين مصر والسودان صار أقرب الآن بعد حلول الربيع العربي وثورة مصر الميمونة التي نرجو أن تتجاوز حالة الاستقطاب الراهن متخذة من الحالة التونسية قدوة حسنة في التأصيل الإسلامي المراعي لظروف العصر والمدرك للتحديات والمستمسك بالوحدة الوطنية. لقد فصّلت في كتابي (معالم الفجر الجديد) الصادر في العام المنصرم ما ينبغي عمله في مصر وبلاد الثورة المتحققة، وما ينبغي عمله في بلاد الثورة المحرية ناصحا بالتحول الاستباقي لتجنب الاستقطاب والسير الآمن نحو التحول الديمقراطي الكامل. وهي دروس موجهة للحالة السودانية الراهنة بشكل مضخّم فالبلاد لا زالت تنزف من بتر جزئها الجنوبي، وتؤرقها الحروب القائمة في دارفور وجنوبي النيل الأزرق وكردفان. وحينما يحقق السودان التغيير الديمقراطي المنشود ويثبّت أركان السلام في أرجائه والتوأمة مع دولة الجنوب الجارة، فإن العلاقة بين السودان الديمقراطي ومصر الديمقراطية واعدة بخير كثير للشعبين وللعالمين العربي والإسلامي ولحوض النيل وحوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي وأفريقيا على العموم.

 لقد ترك الحاج حمد آثارا معرفية في الكتب والدراسات والمقالات والحوارات المنشور منها وغير المنشور، يرجى أن يتصدى المهتمون في المجال المعرفي بجمعها ونشرها، لأنها تشكل علامة مهمة في تيار الفكر السوداني المعاصر الذي يشكو من علل كثيرة منها قلة الإنتاج الفكري الجاد، ومشاكل النشر، والإفراط في المحلية والمحدودية وفقر الدم المعرفي في كثير من المنشور، وسوف يعمل نشر الاجتهادات التي تقدم بها الفقيد وغيره من قادة الفكر السوداني المعاصر على إثراء حلبة الفكر وتأكيد تراكم العملية المعرفية وصعودها للأعلى ببنائها على أساس الآخر أو تنقيحه جدليا. كما أن نشر مؤلفات الراحل وإتاحتها مثلما يثري الفكر يثقل من ميزان حسناته إذ من العمل الباقي لابن آدم بعد موته العلم الذي ينتفع به.

ألا رحم الله فقيدنا أبا القاسم الحاج حمد وأحسن نزله (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) وأحسن عزاء أسرته المباشرة، وأسرته الفكرية، وسائر أهل السودان فالسودان في أزمته الراهنة أحوج ما يكون لقرون استشعار تدله على حقائق تاريخه وحاضره وترسم له معالم مستقبل واعد.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،،،

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*