كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي في الإحتفالية الثقافية التي أقامها صالون الإبداع واللجنة القومية لعودة الإمام الصادق المهدي بإستاد ودنوباوي

دولة الحبيب الإمام الصادق المهدي حفظه الله ورعاه رئيس حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله ورئيس الوزراء الشرعي والمنتخب للسودان وعضو مجلس التنسيق الرئاسي لقوى نداء السودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي
دولة الحبيب الإمام الصادق المهدي حفظه الله ورعاه رئيس حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله ورئيس الوزراء الشرعي والمنتخب للسودان وعضو مجلس التنسيق الرئاسي لقوى نداء السودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمسية الفنية الإبداعية

إحتفال صالون الإبداع واللجنة القومية لإستقبال الإمام الصادق المهدي بعودة الحبيب الإمام لأرض الوطن

إستاد ود نوباوي بأمدرمان

السبت 18 فبراير 2017

كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي حفظه الله ورعاه

كُتبت من تسجيل فيديو

إخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي المُجيبين لدعوة صالون الإبداع واللجنة القومية لمناسبة عودتي للوطن، السلام عليكم ورحمة الله.

بعض المنتسبين للدين يرون أن رسالتهم هى تطويل قائمة المحرمات بين المباحات، فيصنعون تناقضاً بين الديانة والحياة، مع أن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، أُرسل رحمةً للعالمين، ورسالته بسعادة الدارين. كذلك رواد السياسة غالباً ما يحصرونها في تطلعٍ للسلطة أو معارضة للسلطة، مع أن السياسة هى إدارة الحياة، بكل ضروراتها حتى كيف يُغازل الإنسان زوجه، أو يُلاعب طفله، أو كيف يُدير النحل مملكته.

دعوني إذاً أن اخاطبكم بصورةٍ بعيدة عن هذه الأنماط التي يبست الخطاب الديني والتي افقرت الخطاب السياسي عبر هذه النقاط:

أولاً: كم أنا سعيد أن أتنفس معكم هواء أم دُر التي إشتاق لها المُهاجرون قائلين:

ضحيت بربوع أم دُر *** وبالنيل الصباحه بسُر*** وبدلت الصدف بالدر

أمدرمان التي خطت الغُزاة لتخريبها صارت رمز المقاومة للإحتلال الأجنبي، فجعلها أهل السودان عاصمتهم في كل وجوه الاداء العام، العاصمة الدينية، والوطنية، والثقافية، والفنية، والرياضية. فغنى لها المرحوم عبد الله محمد زين:

أنا أمدرمان *** أنا السودان *** أنا الدر البزين بلدي

كل المهاجرين أو قل اغلبهم، مهما وجدوا من أوطانٍ بديلة، تسكُنهم عاطفة قوية، قائلين:

من غادر الأرض في يومٍ سعيد *** غدا في سجن غربته للنفس سجانا

إذا اشتهى الناس أموالاً وأرصدة *** نحن اشتهينا ورب الناس أوطاناً

ثانياً: إنه من حُسن الطالع اختيار هذا الاستاد موقعاً لهذا الإحتفال. كثيرٌ من الناس يستخفون بالرياضة، بل بعض الناس لغفلتهم يرون أن الرياضة تخُص الأطفال وحدهم، بينما الرياضة تمارينٌ ضرورية لكل الناس من المهد إلى اللحد.

  • إنها ضرورة صحية لتمرين العضلات وتنشيط كافة اعضاء الجسم.
  • وهى وصفة علاجية تعالج كثيراً من الأمراض.
  • وهى بلسمٌ نفسيٌ لإشباع نزعات التنافُس، ولإمتصاص الغضب والحزن والترويح من الملل.
  • والرياضة ضمن عوامل اخرى تُبطئ من الشيخوخة.
  • وهى برنامج تربوي لتنظيم المُغالبة السلمية وتحقيق التعاون من أجل أهداف مُشتركة.
  • والرياضة لإثراءٌ للحياة الإحتماعية.
  • والرياضة صارت مجال للتنافُس بين الدول مُبرأ من سفك الدماء.
  • والرياضة وسيلة للجسم السليم.
  • والرياضة مجال لإستعراض إستعراضات فنية جماعية.

إن الإنسان العاقل هو الذي يُدرك منافع الرياضة ويُمارسها، ولذلك نقول: الجسم السليم في العقل السليم، لا العكس.

نبيُنا صلى الله عليه وسلم كان مُهتماً بوسائل الرياضة، روى إبن عمر أنه كان يُضمر الخيل يسابق بها. وفي الأثر، بارك الله فيمن خط وخاط وركب وعام ورمى السهام.

وكنتُ إذ أُراسل أولادي من بعيدٍ أُصيهم على الصلاة، والدروس والرياضة، وكثيرٌ منهم ربتهم معنا الخيل، فالإختلاط بالخيل، لا مُجرد ركوبها، ذو فائدةٍ تربوية للأطفال. الجواد من أفضل المُربيين للأطفال.

ثالثاً: وأنا سعيدٌ بمشاركة أهل الفن والشعر معنا في هذا الإحتفال. خُصومُ البهجة في الحياة يُحرمون الغناء، مُقيمين مزيداً من الحواجز بين الدينِ والحياة. الطبيعة الحيوانية كلُها تُغني وتُغرد، وهم (أُمَمٌ أَمْثَالُكُم)[1]. روى الإمام أحمد أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ” يَا عَائِشَةُ، أَتَعْرِفِينَ هَذِهِ؟ ” قَالَتْ: لَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ: ” هَذِهِ قَيْنَةُ بَنِي فُلَانٍ، تُحِبِّينَ أَنْ تُغَنِّيَكِ؟ ” قَالَتْ: نَعَمْ،… فَغَنَّتْ. وفي كتابي عن الدين والفن ذكرتُ كثراً من النصوص في كتُب الحديث وأكدتُ مقولة أن الغناء كالحديث… الغناءُ كالحديث، حلاله حلالٌ، حرامه حرام.

كيف تُحرم عبارة:

حراسك يا حالم الحيا والفضيلة

والوعي المبكر والعاطفة النبيلة

كيف يُحرم هذا؟

أو مقولة عبيد عبد الرحمن عن زوجه مُغنياً:

سِتْ البَيتْ بَرِيدَه بَرَاهَا تَرْتَاحْ رُوحِى كُلْ مَا أَطْرَاهَا

مِمَّا رَبَّنَا أَنْشَاهَا مَا جَاتْ بَى غَبينَه حَشَاهَا

حَاوْيَه مِنْ الانُوثَه مَعَانِى مَهْمَا أَبْقَى مُرْ بَالْعَانِى

سِتْ البَيتْ تَزِيلْ الغُّمَه نُورْ البَيتْ بَرَاهَا ضُلْمَه

كيف يُعتبر هذا حرام؟ كيف تُحرم هذه المعاني في الأغاني؟

هناك أحاديث تُحرم الغناء مُطلقاً تطرق لها علماء مُحققون مثل إبن حزم وإبن القيسراني وغيرهم، وضعفوها، وفي كتابي عن الدين والفن فصلت هذه القضية، ذلك لإسكات المنكفئيين الذين يُريدون الفصل بين الدين والحياة.

أما الشعر، فقد كان النبيُ محمد صلى الله عليه وسلم يسمعُه، كما سمع قصيدة كعب بن زهير:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ *** مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُفدَ مَكبولُ

وكافأه على قصيدته هذه.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستشهدُ بالشعر، كما فعل بالبيت:

ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللّهُ باطِلُ *** وكلُّ نعيمٍ لا مَحالة َ زائِلُ [2ٍٍ]

وكان مُعجباً بالشاعر دريد بن الصمة، وقال إنه (دريد دة في الجاهلية) من شدة ما في شعره من جمال ومكارم أخلاق، قال، يُبعث أُمة وحده.

وقال ما ذُكر لي من الأعراب أحد، ما ذُكر لي من أحببتُ أن اراه مثل عنترة بن شداد. طبعاً أشعار عنترة كثيرة جداً في مكارم الأخلاق:

أثني عليَّ بما علِمْتِ فإنني *** سمحٌ مخالقتي إذا لم أظلم

وقال للشاعر حسان: هَاجِهِمْ (هو بيقصد المشركين) في رواية النسائي، وأحمد: هَاجِهِمْ ورُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ [3]، وفي رواية البخاري ومسلم اهْجُهُمْ، أَوْ هَاجِهِمْ، وَجِبْرِيلُ مَعَكَ، وفي رواية ابن حبان، إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ مَعَكَ ما هاجيتهم.

وللشعراء شفافية روحية تجعلهم يطرقون معاني إلهامية، على نحو ما قال الهادي آدم (أحد الشعراء السودانيين) :

لك يا صاحب الروائع آيٌ *** تجعل الفن بالخلود جديرا

ريشة كلما جرت فوق قرطاس *** أنارت للناس ليلاً ضريرا

لذلك قيل أن الشعراء هم المُشرعون غير الرسميين للمجتمعات، ولذلك صارت أبيات كثير من الشعراء حكماً وأمثالاً يُشتشهد بها الناس في مُناسباتهم. أبياتٍ مثل:

إذا كنت في كل الأمور معاتباً *** صَديقَكَ لَمْ تَلْقَ الذي لاَ تُعَاتبُهْ [4]

أو

وَمَا الخَوْفُ إلاّ مَا تَخَوّفَهُ الفَتى *** وَمَا الأمْنُ إلاّ ما رآهُ الفَتى أمْنَا [5]

أو

لَوْلا المَشَقّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ *** ألجُودُ يُفْقِرُ وَالإقدامُ قَتّالُ [6]

وغيرُها آلاف مؤلفة وبكل اللغات، صارت حكماً تستشهد بها المجتمعات كأنها مُسلمات. لذلك قال قائلٌ:

ولولا معان سنها الشعر ما درى *** بناة المعالي كيف تبنى المكارم [7]

رابعاً: أكثر الناس العاملين بالسياسة يرون أن السياسة مُجرد تطلُع للسُلطة أو مُعارضة لأهل السُلطة… السياسة هى إدارة الشأن العام وتتطلب الإنفتاح على كل دروب الحياة. وتلبية لهذه النظرة الواسعة للسياسة ألفت في كثيرٍ من الموضوعات في الحياة وما زلت اعتبر نفسي مقصراً.

السياسيون التقليديون يكرهون هذا النهج لأنه يفضح عجزهم، وكثيرٌ من المُختصين في الموضوعات الفكرية، والثقافية، والتقنية لا يحبون هذا النهج، لأنه يجعلهم أصحاب أقوال بلا أفعال. ولكن الصحيح في النهج، فالفكر والثقافة والعلوم بلا رافع سياسي مشلولة، والسياسة بلا رافع من تلك المعارف عمياء. من باب السياسة المُبصرة، نظمتُ مع آخرين منتدى الصحافة والسياسة بإقتراح المرحوم محمد خليل، والآن مع آخرين نحن بصدد تكوينات أهمُها:

  • السياسة والثقافة.
  • السياسة والفن.
  • السياسة والرياضة.
  • السياسة والبيئة.

كل هذه المجالات ليصبح حقيقة ضرورة التكامل بين السياسة ودروب الحياة.

خامساً: كم يسُرني أن يطور صالون الإبداع نفسه تحت عنوان الإبداع والتنمية الثقافية، وأن يتخذ لنفسه شبكة منتسبين في كل مجالات الأنشطة الجمالية. إن الجماليات فطرة في نظام الكون… فتنوع الألوان وروائح الأزهار يتجاوز الدور الوظيفي لحفظ النوع ليصير من معانٍ جمالية، وكذلك ألوان وأنغام ورقصات الطيور، هذه الأشياء عندها وظائف لحفظ النوع ولكن عندها وظائف جمالية. صحيح أن للوجود الجمادي، والنباتي وظائف مُعينة في نظام الكون، وصحيح أن الكمال من مقاصد الكون. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [8]. والجمال كذلك من مقاصد الكون، (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [9].

إن الفطرة السليمة تُدرك أن الكمال من مقاصد الكون وكذلك الجمال على نحو ما قاله أبو ماضي:

وترى الشّوك في الورود ، وتعمى *** أن ترى فوقها النّدى إكليلا

والذي نفسه بغير جمال *** لا يرى في الوجود شيئا جميلا

سادساً: إن لهذا التكريم فقهاً. إنه ليس لشخصي، فهذا يُبخس معناه. إنه تكريمٌ لشرعيةٍ ديمقراطية لم تستطع الإدعاءات الإنقلابية محوها. وهو تزكيةٍ لرمزٍ يُرجى أن يعمل لتحقيق مطالب الشعب المشروعة في سلامٍ عادل شامل وتحول ديمقراطي كامل. وأنا بدوري أُعلن تجاوبي التام مع هذه التطلُعات، وأقول بإسم الشعب:

لابد من إنهاء الحروب وبناء السلام العادل في كل السودان.

ولابد من قيام حُكم قومي إنتقالي يستمرُ في ظل الحريات العامة إلى حين إجازة الدستور الدائم الذي يصوغه مؤتمر قومي دستوري ويُجاز بوسائل ديمقراطية.

إجراءات يجب أن تكون قومية بحيث لا يُعزل منها أحد، لا تُعزل منها قوى سياسية واحدة ولا تُهيمن عليها قوى سياسية واحدة. إجراءات قومية شكلاً وموضوعاً.

سابعاً وأخيراً: المنطقة حولنا العربية والأفريقية تعيش أزماتٍ كُبرى. السودان المأزوم، أكثر بلدان المنطقة خبرة سياسية، وشعبُ السودان أكثر شعوب المنطقة تسامُحاً. التجربة السياسية الأوسع وثقافة التسامح، يُرجى أن يُمكن الشعب السوداني من العبور من حالة الإستقطاب الحالية إلى هندسة قومية تُحقق المطالب المشروعة في سلامٍ عادل شامل وتحول ديمقراطي كامل.

إن لله عباداً إذا أرادوا أراد.

والسلام عليكم ورحمة الله.

_______________________________________________

[1] سورة الأنعام الآية رقم (38)

[2] لبيد بن ربيعة العامري – العصر الجاهلي

[3] رواه النسائي وأحمد

[4] بشار بن برد – العصر العباسي

[5] أبو الطيب المتنبي – العصر العباسي

[6] أبو الطيب المتنبي – العصر العباسي

[7] أبو تمام – العصر العباسي

[8] سورة الحجر الآية رقم (85)

[9] سورة الملك الآية رقم (3 و 4)

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*