مؤتمر نادى مدريد

دولة الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي
دولة الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي

بقلم الحبيب الإمام الصادق المهدي

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ أكثر من عام اتصلت بالأمين العام لنادى مدريد، وقلت له إننى فى عام ١٩٨٩م ومن داخل السجن فى السودان نشرت كتاباً بعنوان: «تحديات التسعينيات»، قلت فيه إن هنالك مظالم فى عالمنا العربى، الإسلامى، الأفريقى، وسياسات فى العلاقة غير المتكافئة بين ذلك العالم والقوى الدولية الكبرى. وإن هذه السياسات الداخلية منها والدولية، لاسيما العلاقة بين شمال الكرة الأرضية وجنوبها، تتطلب إصلاحات جذرية، فإن لم تتم تلك الإصلاحات فإن الشعوب المتظلمة سوف تنشأ فيها حركات تمرد واحتجاج وتطرف وعنف تستخدم أسلحة الضرار الشامل، وهى الإرهاب، والهجرة غير القانونية نحو دول الشمال، والمتاجرة بالمخدرات، والانفجار السكانى، والإهمال الصحى، واختراق ضوابط انتشار السلاح، وإهمال البيئة الطبيعية. وقلت لا سبيل للحيلولة دون هذه المضار ما لم تتحقق الإصلاحات الجذرية المطلوبة. هذه خلاصة لما ورد فى كتاب تحديات التسعينيات. وقلت لأمين عام نادى مدريد إن الإصلاح الجذرى المنشود لم يتحقق، وها هو التطرف والعنف المصاحب له ينتشر، وها هو العالم يشهد التطرف والعنف المصاحب له يتمدد، والهجرة غير القانونية تتوسع، وأقترح أن ينظم نادى مدريد مؤتمراً دولياً لدراسة الموقف وإصدار التوصيات اللازمة، لا سيما وأسلوب التصدى لهذه التحديات بالتركيز على الوسائل الأمنية وحدها لا يجدى.

درست لجنة نادى مدريد التنفيذية الاقتراح ووجهت الدعوة لهذا المؤتمر الدولى الضخم الذى عقد فى مدريد فى الفترة: أكتوبر ٢٦- ٢٨ ٢٠١٥م. وبعد الاستماع لمداخلات من المؤتمرين أصدر توصياته التى نشرت ويمكن الحصول عليها فى موقع النادى فى شبكة الإنترنت.

نادى مدريد لمن لا يعلم يمثل الآن ١١١ رئيس دولة ورئيس حكومة انتخبوا للولاية ديمقراطياً، وهم الآن خارج السلطة ويمثلون ٧١ دولة من كل القارات العالمية.

ههنا ألخص مداخلتى فى هذا المؤتمر التى وجدت تجاوباً واسعاً وإن غلف صداها فى التوصيات مراعاة لحساسيات دبلوماسية.

قلت الآتى:

أهم حركتين تقودان التطور والعنف المصاحب له هما القاعدة وداعش مؤسسة خلافة البغدادى.

١- القاعدة نشأت من استجابة لنداء الجهاد فى أفغانستان، الذى انطلق مقاومة للغزو السوفيتى لأفغانستان فى عام ١٩٧٩م. يومئذ وجدت القاعدة دعماً غربياً، وعربياً تمويلاً، وتسليحاً، وتدريباً جعلها قوة هائلة. كانت عقيدتها القتالية جلاء القوة السوفيتية الأجنبية من أرض المسلمين. وبعد أن تحقق ذلك الهدف بجهد القاعدة وغيرها من القوى الجهادية الأفغانية، قررت القاعدة تطبيق نفس القاعدة على الوجود الأجنبى، أى الغربى، لإجلائه من الأرض العربية. استخدمت القاعدة أسلوباً قتالياً سمته الجهاد العالمى ضد الصهيونية والصليبية واستهدفت الولايات المتحدة باعتبارها قوة الدعم لهما. أساليب القاعدة القتالية هى أساليب الحركات الإرهابية، الحديثة غير الملتزمة بضوابط القتال الجهادى فى الإسلام.

أما داعش فمصدرها فرع القاعدة فى أرض الرافدين. من تداعيات الغزو الغربى بدعم عربى للعراق تهميش المكون السنى فى العراق. ومن تداعيات ثورة الربيع العربى فى سوريا نشأت حرب أهلية ذات مقومات طائفية، وصار المكون السنى فى سوريا قائداً لقتال ضد النظام. هذه العوامل جعلت فرع القاعدة فى أرض الرافدين يخطو خطوة أبعد من القاعدة بتكوين دولة خلافة فى أرض العراق والشام. خلافة وجدت تأييداً من إمارات أخرى وسمت نفسها دولة الخلافة.

ومعلوم أن طالبان قبل ذلك قادت المقاومة للغزو الأجنبى فى أفغانستان.

وطالبان قبل الغزو أقامت إمارة إسلامية فى أفغانستان.

٢- السياسة الغربية بدعم من أوساط عربية صنفت طالبان والقاعدة وخلافة البغدادى إرهاباً، وشنت عليها حرباً باعتبارها حركات إرهابية. الحرب على طالبان منذ ٢٠٠١م حتى الآن لم تقض عليها، بل زادت نفوذها فى أفغانستان وتمدد إلى باكستان. والحرب على القاعدة منذ ٢٠٠١م لم تقض عليها، بل زادت فروعها، وآثارها. والحرب على دولة الخلافة بتحالف من ٦٠ دولة منذ ١٤ شهراً لم تقض عليها، بل تمددت فى أرض الرافدين وبايعتها إمارات ذات أهداف مماثلة فى بلاد عربية، وآسيوية، وأفريقية. واستقطبت شباباً من أوروبا وأمريكا.

انحصرت مواجهة هذه الظواهر فى ثلاثة أمور: إجراءات قانونية ضد الإرهاب، وإجراءات أمنية، وعسكرية، وفتاوى فقهية لتأكيد مخالفتها لمبادئ وأحكام الإسلام.

هذه الوسائل لم تكن مجدية، بدليل أن الجهة المستهدفة زادت ولم تنقص.

الحرب التى شنها حلف ناتو على طالبان وقعت فيها تجاوزات نتيجة لها هرعت قوى كثيرة إسلامية وقبلية، لم تكن فى البداية مؤيدة لطالبان هرعت لتأييد طالبان، بحيث تحولت طالبان فى نظر كثيرين لحركة تحرير وطنى. ظروف طالبان مختلفة عن القاعدة و«الخلافة»، وهى ما سوف أركز عليه فى مداخلتى.

٣- مفاهيم الإرهاب الدارجة حالياً ووسائل مكافحتها الراهنة لن تجدى، لأن ما بين أيدينا الآن ظواهر ذات معالم جديدة تماماً، أهمها:

■ احتلال أراضٍ والمحافظة عليها.

■ تكوين دولة مختطفة بمؤسسات لإدارتها.

■ تحدٍ علنى لنظم الدولة الوطنية.

■ تكوين شبكة إمارات أو فروع متعدية للحدود الدولية.

■ الانتماء لحاضنة فكرية وفقهية ذات جذور لدى اجتهادات منكفئة ومذاهب معلومة.

■ استخدام وسائل اتصالات وتجنيد، ودعاية، فى غاية الحداثة والابتكار.

■ تحدٍ علنى للنظام الدولى من مواقع معلومة الأماكن.

■ استقطاب شباب محتج على النظم الرسمية فى بلاده على نطاق العالم.

■ القدرة على استمرار متصل.

هذه المعالم معناها أن هذه الحركات تمثل شيئاً جديداً غاب على الأوساط العالمية فهمه بل فوجئ به، المدهش أن كثيراً من الدول ذات النفوذ العالمى الكبير وتملك أجهزة واستخبارات قوية ولكنها دائماً تفاجأ بأهم الأحداث: فوجئت بالثورة الإسلامية فى إيران، وفوجئت بثورات الربيع العربى، وهلم جرا.

لعل السبب هو أنهم فيما يتعلق بقضايانا يدركون الأمور القابلة للإحصاء كالإمكانات الاقتصادية والإمكانات الأمنية والعسكرية، ولكن تغيب عنهم العوامل الثقافية، والدوافع السياسية. وأوضح ما كان فى هذا الصدد ما حدث فى العراق فى عام ٢٠٠٣م. قبل الغزو الأمريكى على العراق كتبت خطاباً نشر فيما بعد للرئيس الأمريكى السابق جورج بوش قلت فيه: أنتم تستطيعون هزيمة القوات المسلحة العراقية بسهولة، ولكنه سوف يكون نصراً عسكرياً تجعله الظروف الثقافية والسياسية هزيمة سياسية، لذلك كف عن غزو العراق. ولكنهم واصلوا الغزو، والآن بدأ الاعتراف بالخطأ على لسان السيد تونى بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق.

٤- ما تواجهه منطقتنا من اضطراب تاريخى سببه تزامن ثلاث أزمات حادة هى:

أ) أزمة حضارية.

ب) أزمة نظام الدولة الوطنية.

ج) أزمة علاقات دولية غير عادلة.

■ الأزمة الحضارية تعود لمشكلتين هما:

مشكلة التعامل مع الوارد من الماضى ومدى الالتزام بمطالبه.

وأزمة التعامل مع الوافد من العصر الحديث ومدى استصحاب لوازمه.

ثم كيفية التزاوج بين التأصيل والتحديث أو اتباع أحدهما ونفى الآخر.

■ أزمة نظام الدولة الوطنية تعود لتآكل شرعيتها بسبب:

فجوة الثقة بين الحكام والمحكومين بسبب غياب المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. وتفشى الظلم الاجتماعى، ما أدى لفجوة هائلة بين قلة ثرية وكثرة فقيرة تشكو من العطالة والتهميش، ما أودى أو سوف يودى بالسلام الاجتماعى. وخضوع النخب الحاكمة لتبعية أجنبية تستمد منها الحماية.

ويزيد الأمر خطراً أن جيران المنطقة العربية الأقرب، وهم تركيا، وإيران، وإسرائيل- ما يوفر مقارنة فاضحة- هذه الدول الثلاثة تمتاز بأنها: يحكمها مدنيون منتخبون، وتسمح بدرجة واضحة من التعددية، وقواتها المسلحة ملتزمة بوظائفها الدفاعية، واستطاعت أن توطن التكنولوجيا الحديثة- مقارنة فاضحة- وعملياً تمكن هذه الدول أن تتمدد على حساب الدول الوطنية العربية الهشة المجاورة لها.

هذه السلبيات نتيجتها تآكل نظم الدولة الوطنية فى الفضاء العربى. ما أوجد فراغات تعزز القابلية للأفول. هذه الحالة زادها تأكلاً انفجار نزاعات طائفية، وحروب بينية، فصارت صيداً متاحاً للقاعدة، «والخلافة»، وغيرها من عوامل الإطاحة.

■ فيما يتعلق بأزمة العلاقات الدولية غير العادلة ودورها فى إثارة التطرف أو العنف المصاحب له أقول: حاول برنارد لويس أن يقول إن المسلمين يكرهوننا فى الغرب، لا بسبب مظالم، ولكنها كراهية مؤصلة لحضارتنا الناجحة وحضارتهم الفاشلة.

وفى ١١/٩/٢٠٠٩م كتبت صحيفة التايمز مقالاً افتتاحياً قالت فيه إن غضب المسلمين سببه ذكرى طردهم من الأندلس، ولا علاقة له بالأحداث الراهنة.. هذا هراء!

الهيمنة الدولية مارست ظلماً على شعوب هذه المنطقة هو السبب فى الغضب والتطرف والعنف المصاحب له. كتب غراهام فوللر فى مجلة FP «السياسة الخارجية» بتاريخ يناير/ فبراير ٢٠٠٨م مقالاً طويلاً بعنوان: «عالم بلا إسلام». جاء فى المقال أن شعوب هذه المنطقة عانت من المظالم على يد الهيمنة الدولية، ما سوف يعزز ما نشهد من غضب وتطرف وإرهاب حتى إذا لم يكن الإسلام موجوداً. وكثيرون كتبوا أن غرس إسرائيل فى منطقة معادية لذلك أطلق حالة احتراب مستمرة لاسيما مع ما درجت عليه إسرائيل من سياسة توسعية وممارسات إذلال للشعوب العربية لاسيما أهل فلسطين. ممارسات إسرائيل هذه تجد حماية مستمرة من حق النقض الأمريكى فى مجلس الأمن.

وكتب عالمان أمريكيان كتاباً بعنوان: «اللوبى الإسرائيلى والسياسة الخارجية الأمريكية»، هما ستيفن والت وجون مير شايمر، ذكرا فيه أن السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط إنما توضع فى إسرائيل تعارضاً مع مصالح أمريكا القومية الحقيقية، ومع مطالب السلام والاستقرار الدولى. وإسرائيل لا تنفك ترتكب فظاعات ضد العرب من مواطنيها، وفى غزة وفى الأقصى بصورة تشعل الغضب على أوسع نطاق، ما يعطى حركات التطرف والعنف حجة قوية.

استمرار هذه المظالم يودى بشرعية النظام الدولى ويظهر عجز الدولة الوطنية فى المنطقة فى الدفاع عن الحقوق المشروعة.

٥- إذن الدول الوطنية فى المنطقة العربية تفيض بالقابلية للتغيير. إذا صح هذا التحليل فهنالك ثلاثة دروب يمكن لهذا التغيير أن يتخذها:

أ) درب انكفائى يقوده هؤلاء الذين ينادون بقفز إلى الوراء، وبأساليب العنف الذى تصوروه نسخة من جهاد الصدر الأول.

ب) هذا القفز مع ما فيه من عوامل القوة يعوزه أمران يحرمانه من الجدوى على المديين المتوسط والبعيد، هما: غياب التدبر الاجتهادى فى التعامل مع التطبيق الإسلامى، والأمر الثانى غياب استصحاب النظم المعاصرة والنهج الإسلامى الصحيح، وهو معرفة الواجب اجتهاداً، والإحاطة بالواقع الحديث، والتزاوج بينهما. نعم تفوتهم الجدوى، ولكن يمكن لهذه الحركات أن تصنع فوضى عارمة. فوضى تستدعى تدخلاً أجنبياً لأن آثارها سوف تتطلب ذلك.

ج) الخيار الثالث وهو الذى يستجيب لمطالب النهضة ويحقق تغييراً شبيهاً بثورات الربيع العربى أو تغييراً على أساس تراضٍ تاريخى على نحو ما حدث فى إسبانيا أو جنوب أفريقيا أو أمريكا اللاتينية.

هذا التغيير النهضوى المنشود يحقق عقداً اجتماعياً جديداً يشمل نظم الحكم، الاقتصاد، والحياة الاجتماعية.. هذا العقد الاجتماعى النهضوى ينبغى أن يصحبه إصلاح عدالى فى النظام الدولى المعاصر، فغياب العدالة الدولية كما فى قبول فاضح للظلم كما تفعل إسرائيل، وازدواج المعايير، وشلل مجلس الأمن بحكم حق النقض للدول الخمس، عوامل تعطى الذين يتحدون هذا النظام شرعية.

٦- إن للمنطقة الممتدة من الخليج إلى المحيط أهمية خاصة وصفها الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر بأنها أهم قطعة أرض فى العالم. فهى مهبط الأديان الإبراهيمية الثلاثة، وهى مستودع موارد طبيعية مهمة، وفيها أخطر عوامل الصدام، وتقع جغرافياً فى صرة العالم، واليوم فرخت حركات هى الأخطر على الأمن والسلم العالميين منذ النازية، والشيوعية، لذلك فما فيها من اضطرابات سوف يعم المنطقة ويمتد آسيوياً، وأفريقياً، وأوروبياً، وأمريكياً، بل عالمياً. كثيرون فى العالم مشغولون بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

إن التسلح النووى يعتمد على ثلاثة عوامل هى: الإمكانية المالية، المعرفة التكنولوجية، والدوافع. الإمكانية المالية والمعرفة أمران موجودان ولا يمكن حظرهما. العامل الذى يمكن التعامل معه هو الدوافع. مسألة الدوافع مسألة ثقافية وفكرية، وسياسية وما يحدث فى مجالها من خطورة أكبر من الأسلحة المادية، لأن الدوافع هى التى تحصل على الأسلحة وتستخدمها.

٧- وأخيراً القاعدة وداعش والإمارات التى انتشرت يمكن أن تدمر الحاضر لما فيه من هشاشة وقابلية للإطاحة، ولكنها لا تستطيع بناء المستقبل لغياب التدبر فى نهجها الإسلامى، وغياب استصحاب العصر الحديث، ومع ذلك فإن من آثارها المهمة أن تقرع الأجراس لمن فيهم رمق حياة أن يصحوا.

قديماً قال كارل ماركس، وليس كل ما قال ماركس باطلاً: إن الوعى يمكن أصحابه من تجنب حتميات التاريخ. صدى وضعى لحقيقة الوحى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ‏)[1].

إن الحماية من اختطاف المصير قفزاً للوراء. ومن الفوضى المفضية لاحتلالات جديدة، هى فكر يوفق بين التأصيل والتحديث، ونظم حكم تقوم على الحرية والمشاركة، ونظم اقتصاد تقوم على التنمية والعدالة، ونظام دولى أعدل وأفضل.

هذا أو الطوفان.

_____________________________________________________

[1] سورة هود الآية رقم 117

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*