مذكرة للمؤتمر الدولي حول التراث ومتطلبات المستقبل وتكريم د. طه عبد الرحمن وعماد الدين خليل ينظمه المنتدى العالمي للوسطية

بسم الله الرحمن الرحيم

مذكرة للمؤتمر الدولي حول التراث ومتطلبات المستقبل

 وتكريم د. طه عبد الرحمن وعماد الدين خليل

ينظمه المنتدى العالمي للوسطية

 

الإمام الصادق المهدي

26/2/2019م

مقدمة:

إلى المحضرين، والحاضرين، والمحاضرين في المؤتمر.

كان بودي أن أشارككم هذا المؤتمر وأحظى بلقائكم والاستفادة من اجتهادكم المقدر. لكن السودان يمر بمرحلة مفصلية بين حكم مخندق في تمسكه وحركة شعبية مصممة على مطالبها المشروعة. والخياران الواردان أمامنا هما مواجهة مستمرة إلى ما شاء الله، أو إيجاد معادلة تحقق مطالب الشعب المشروعة دن مخاشنة، مما يتطلب وجودي في البلاد في لب المشهد.

ولكن الحبيب المهندس مروان الفاعوري اقترح علي أن أساهم معكم باجتهاد في موضوع المؤتمر. أقول:

هنالك عوامل وافدة من التراث تجعلنا خارج العصر. وهنالك عوامل وافدة من العصر منافية للأصل. سوف أبحث هذه العوامل تحت 16 عنواناً.

  • الموقف من التراث: التراث بعضه نصوص وحي توجب الإلتزام بقطعياتها وبعضه اجتهادات بشرية غير ملزمة. قطعيات الوحي تتطلب وصالاً معرفياً، أما الاجتهادات البشرية فالموقف منها اختياري.
  • الموقف من تفسير القرآن يتطلب التدبر، والتمييز بين المحكم والمتشابه. والفهم الصحيح للواجب يتطلب الحكمة ومدارك الواقع ما يجعل تفسير القرآن مهمة مستمرة.
  • السنة النبوية دونت بعد قرنين من الهجرة. السنة العملية فيما يتعلق بالشعائر نقلت بالممارسة جيلاً بعد جيل. أما السنة القولية فتتطلب التواتر ما يعني رواية عدلين لعدلين حتى عهد التدوين، والتوافق مع القرآن، ومراعاة ألا تكون من الشؤون التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم “أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ”[1].
  • السيرة النبوية: تأثرت السيرة النبوية بمجاراة سيرة أنبياء بني إسرائيل الغازية، ومجاراة سيرة عيسى عليه السلام المعجزة. النبي محمد صلى الله عليه وسلم ركزت رسالته على الحجة والمنطق، قال تعالى مجادلاً الذين طالبوه بالمعجزات (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)[2] ما يتطلب تنقية السيرة من العوامل غير البشرية، وإظهار قوتها المنطقية. كذلك كان جهاده لنشر الدعوة سلمياً وكان قتاله دفاعياً، أما نشر الدعوة فكان: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[3].
  • الفقه المعتمد على تفسير التدبر وعلى السنة بضوابطها يتطلب تجاوز الاجتهاد الصوري المعتمد عل القياس والاجماع، إلى اجتهاد مقاصدي فيه تحديد الواجب اجتهاداً والإحاطة بالواقع إدراكاً ثم التزاوج بينهما. إذن الفقه صيرورة مستمرة بلا جمود.

هنالك من الوافد من الماضي مذاهب تكفيرية وأخرى تقول بالحاكمية، أي الإمرة لله، وهذه المذاهب صارت حاضناً للغلو والفهم الخاطئ للجهاد ما يوجب التخلي عنها. أما الحركات الإرهابية الراهنة فهي تعود لمظالم من صنع الصهيونية والامبريالية فقبل أفغانستان لم تكن القاعدة. وقبل احتلال العراق لم تكن داعش.

  • الموقف من التاريخ أنه ما عدا نصوص الوحي القطعية تاريخ بشري ندركه بلا قدسية ونخضعه لمعارف الإنسانيات والمعارف النفسية والاجتماعية. ما عدا مفردات الوحي القطعية كل التاريخ معرفة بشرية بلا قدسية.
  • صورة الإنسان هي أن فيه قبس روحي، وأن له عقل، وأنه حر. هذه العوامل تجعل للفكر مصادر روحية ومصادر عقلية وحرية اجتهادية.
  • الانقسام الطائفي: المسلمون جميعاً ملتزمون بالنبوة، والقرآن، ومكارم الأخلاق، والمعاد، والأركان الخمسة؛ ما عدا ذلك انتماءات مذهبية قائمة على اجتهادات بشرية ينبغي نزع أية قدسية منها، والاتفاق على ميثاق المهتدين الذي ينص على الالتزام بتلك العقائد الخمس واعتبار ما عداها مسائل اجتهادية غير ملزمة لغير أصحابها والاجتهاد في أمرها مفتوح بحرية.
  • الديانة: الإسلام يعترف بالتعددية الدينية على أساس (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ)[4]. ما يوجب منع الاحتراب لفرض ملة على ملة. والالتزام بميثاق الإيمانيين للتعايش بين الأديان.
  • الثقافافات والقوميات. إن التنوع الثقافي والقومي من الفطرة البشرية. (مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)[5]. هذا يتطلب الاتفاق على ميثاق ثقافي وقومي للتعايش السلمي في ظل حقوق الإنسان.
  • ثقافة المستشرقين: بعض هؤلاء معادين للإسلام من منطلق ديني، وآخرون وظفوا الاستشراق لخدمة الامبريالية والصهيونية، ولكن كثيراً منهم أنصفوا الإسلام أمثال توماس أرنولد، ومنتجمري واط، وغيرهما؛ الإدانة العامة لهم باطلة. وعلينا إصدار أطلس يعترف بالموضوعيين ويحدد المغرضين.
  • الوافد من العصر. كل وافد من العصر مؤسس عل سنن الكون الطبيعية والإنسانية والاجتماعية ينبغي أن يستصحب لأن سنن الكون آيات إلهية. هنالك مفاهيم وافدة كربط السنن الطبيعية بالالحاد. السنن الطبيعية تتعلق بعالم الشهادة ولا يجوز لها تجاوزه. كذلك الفكرة العلمانية إذ تنكر الغيب فإنها بنص مبادئها تتعلق بعالم الشهادة ولا تستطيع التدخل فيما رواء الطبيعية. ينبغي استصحاب كل المعارف المتعلقة بسنن الكون واعتبار ما عداها جزءاً من تجارب ذاتية لثقافات أصحابها.
  • نظام الحكم الذي ترضاه مبادئ الإٍسلام هو الذي يحقق المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. التجارب الإنسانية انتخبت نظماً طورت آليات لممارسة هذه المبادئ ينبغي استصحابها.
  • مبادئ الاقتصاد الإسلامية تتطلب عمارة الأرض، وتوفير الضرورات المعيشية في إطار يحقق الكفاية والعدل. كل ما يساهم في تحقيق هذه الأهداف في التجارب الإنسانية ينبغي استصحابه.
  • الانتماء الوطني مبدأ إسلامي صحيح كما كان في صحيفة المدينة. الدولة الوطنية الحديثة أداة مناسبة للإدارة والأمن ومع استصحابها يمكن تحقيق وحدة تعاقدية بين الدول الإسلامية. هذا أساس للعلاقة بالآخر الإسلامي. وهنالك أساس للعلاقة بالآخر الدولي يقوم على التعاهد وقوله تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[6].
  • حقوق الإنسان: الثقافة الدولية المعاصرة أثمرت منظومة لحقوق الإنسان تنطلق من خمسة مبادئ هي الكرامة، والحرية، والعدالة، والمساواة، والسلام. إن لهذه المبادئء أصلاً في نصوص الوحي وهي منظومة في مجالات مختلفة تصلح أساساً للتعايش بين الثقافات، والقوميات، والأديان وتصلح لنظام عالمي يقوم على التعايش السلمي والتعاون.

في الختام: علينا أن نضع أسساً واضحة للتعامل مع الوافد من التراث المهم لقضية التأصيل، وأسساً واضحة للتعامل مع الوافد من العصر في معادلة لجدلية التأصيل والتحديث، وأقترح أن نصدر بعد الدراسة ورقة عمل بالنهج المطلوب.

 

وبالله التوفيق.

[1] رواه مسلم

[2] سورة الإسراء الآية (59)

[3] سورة النحل الآية (125)

[4] سورة البقرة الآية (156)

[5] سورة الروم الآية (22)

[6] سورة الممتحنة الآية (8)