ورقة الحبيب الإمام الصادق المهدي " نحو استراتيجية سودانية لحوض النيل "

الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي
الحبيب الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي وإمام الأنصار المنتخب ورئيس الوزراء الشرعي للسودان ورئيس المنتدى العالمي للوسطية والفائز بجائزة قوسي للسلام لعام 2013 وعضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان وعضو نادي مادريد للحكماء الديمقراطيين والمفكر السياسي والإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

 حزب الأمة القومي

 ورشة الاستراتيجية القومية لحوض النيل

 دار الأمة – 22 إبريل 2013م

 نحو استراتيجية سودانية لحوض النيل

ورقة الإمام الصادق المهدي- رئيس الحزب

 مقدمة:

تنشأ في كل الأنهار المتعدية لحدود أكثر من دولة مشكلة حول الانتفاع بمياه النهر. لذلك تصدت القيادات السياسية في البلدان المعنية وأبرمت اتفاقيات لتحكم التصرف في مياه النهر.

 وعلى الصعيد الدولي أبرمت اتفاقيات كثيرة بلغت قمتها في الاتفاقية الدولية التي أبرمتها الأمم المتحدة في عام 1997م.

 هذه الاتفاقية الدولية تضمنت المبادئ المعقولة لتنظيم مصلحة مشتركة ولكن عيبها أن بعض الدول، لا سيما في حوض النيل، تحفظت عليها. وعيب آخر هو أنها فيما يتعلق ببعض النقاط الخلافية حمالة أوجه.

 بعض الدول التي ينبع فيها النهر تدعي أن مياه النهر مثل الموارد الطبيعية الأخرى ملك لدولة المنبع. هذا ما تقول به تركيا وتقارن بين ملكية بلدان النفط لنفطها وبينها كمالكة لمياه الأنهار التي تنبع فيها.

 في حوض النيل تجمعت عوامل جيوسياسية أقامت معاهدات تجعل دولة المصب- مصر- هي صاحبة القرار بشأن مياه النيل. مشكلة حوض النيل الأهم هي أن دول المنبع ترفض الامتثال لتلك المعاهدات القديمة.

 اتفاقية مياه النيل المبرمة في عام 1959م افترضت القرار بشأن مياه النيل مشتركا بين مصر والسودان وأبرمت في غيبة دول الحوض الأخرى.

منذ عام 1999م انطلقت مبادرة حوض النيل وهي أول مبادرة تضم كافة دول حوض النيل. وفي الأربع عشرة عاما الماضية أفلحت دول حوض النيل عبر لقاءات مبادرة حوض النيل في التوصل لاتفاقية إطارية حول قضايا الحوض، ولكن وقع اختلاف حول ثلاث نقاط مهمة هي:

• الموقف من إلزامية الاتفاقيات القديمة.

• والموقف من شكل التصويت في المفوضية التي تزمع الاتفاقية الإطارية إقامتها

 • ومسألة الإخطار المسبق الواجب على أية دولة تزمع إقامة مشروع في حوض النيل.

 لا توجد علاقة نهرية تجمع بين دول الهضبة الاستوائية (منابع النيل الأبيض)، ودولة الهضبة الأثيوبية (منبع النيل الأزرق ونهر عطبرة). ولكن الذي جمع بينهم هو وجود موقف مشترك من عدم الالتزام بالاتفاقيات القديمة: موقف مشترك من عدم الالتزام باتفاقية مياه النيل المصرية السودانية لعام 1959م التي جعلت القرار في أمر مياه النيل مشتركاً بين مصر والسودان في غيبة دول الحوض الأخرى.

 ومع أن ثمة مصلحة بين مصر والسودان في قضية مياه النيل فإن للسودان مسئولية خاصة لأنه الجار المشترك لدول الحوض ولأن فيه مقرن النيلين حيث يتكون النيل الموحد ولأنه حتى بعد انفصال الجنوب المعني جيوسياسياً أكثر من غيره بالعلاقة بين أفريقيا شمال الصحراء وأفريقيا جنوب الصحراء.

هذه العوامل تفرض على السودان اهتماماً خاصاً بالتوافق بين دول الحوض، وبالعمل المكثف للحيلولة دون الاستقطاب بين دول الحوض، لذلك صار الأمر يوجب على السودان رسم إستراتيجية توافقية لحوض النيل، والسعي لحوار جاد مع مصر ومع دول المنابع لقبولها.

وفيما يلي أفصل المبادئ التي ينبغي أن تحكم المبادرة السودانية لحوض النيل.

1) حوض النيل أشبه ما يكون بوحدة جيوسياسية نافورتها الهضبات الأثيوبية والاستوائية وساحتها الزراعية الأوسع أراضي السودان الخصبة. وطاقتها الأكبر لتوليد الكهرباء أعالي الهضبتين، والحاجة الأكبر لمياه النيل في مصر.

2) اعتبار مياه النهر ملكاً لدولة المنبع مثل البترول والموارد الطبيعية الأخرى خطأ جسيم لأن النهر هو منبع، ومجرى، ومصب؛ وعلى شواطئه تكونت مصالح وأقيمت حضارات وعاش سكان هم جميعا أصحاب حق ومصلحة في النهر. لذلك فكرة أن النهر ملك لدولة المنبع جائرة. كما أن فكرة أن القرار بشأن النهر لدول المجرى والمصب حصرياً خاطئة. والصحيح هو ما يفرضه العقل والعدل وهو أن السيادة على النهر المشترك سيادة مشتركة. وأن دول منابع النيل تقبل هذا المبدأ وهو المدخل الصحيح لنظام حوض النيل.

 3) النظام القانوني القديم في حوض النيل تكون في ظروف تاريخية معينة وهي من حيث احتياجات سكان دول المنابع، ومن حيث الإمكانات التكنولوجية الحديثة، ومن حيث هوية أصحاب القرار في دول الحوض، قد تغيرت ما يوجب أخذ هذه المستجدات في الحسبان.

في عام 1997م التقيت رئيس الوزراء الأثيوبي في أديس أبابا قال لي: مصر غير مستعدة للحوار الجاد معنا بشأن مياه النيل وتطالبنا بالامتثال لمعاهدات لم نعد نلتزم بها، فإن استمر هذا الموقف سيأتي يوم نتصرف انفرادياً بالمياه التي تنبع في أراضينا. وفي نفس الأسبوع التقيت الرئيس المصري السابق في القاهرة وتحدثنا عن مياه النيل فقال لي مياه النيل خط أحمر إذا مسها أحد بغير النظام المعهود في الحوض سوف نقمعه.

 وفي تلك الأيام كثرت في المكاتب العربية كتب ومقالات تنذر بالحرب القادمة على المياه.

هذه الظروف هي التي جعلتني استشعر الخطر القادم فاطلعت على الأدبيات المتاحة ونشرت كتابي “مياه النيل: الوعد والوعيد”. وأدهشني جداً أن قبلت مطبعة الأهرام طباعة الكتاب ثم نشرته صحيفة الأهرام في حلقات. أدهشني ذلك لأن السياسة المقررة في مصر في ذلك الوقت كانت تمنع الخوض في موضوع مياه النيل إلا بما يعزز النظرة الرسمية وفي كتابي رؤى مختلفة وتدعو لتجاوز الاتفاقيات الموروثة وتبشر بنظام جديد لحوض النيل.

4) قضية حوض النيل لا يمكن حسمها على أساس قانوني لأن فيها اعتبارات أخرى أوسع، ولا يمكن حسمها بالقوة لأن اللجوء للقوة سوف يخلق استقطاباً حاداً في القارة الأفريقية، وعلى الصعيد الدولي؛ وسوف تكون المواجهة المسلحة غير مجدية كما فصلت في كتابي. لذلك فلا بديل للسعي للوفاق في حوض النيل.

 5) إذا غاب الحسم القانوني والحسم العسكري وتخلف الوفاق فإن

حوض النيل سوف يكون:

– مسرحاً للفوضى.

– مجالاً للتصرفات الانفرادية.

– جاذباً لتدخلات عدائية وفرصاً تستغلها قوى خارجية.

– سداً مانعاً لأية مشروعات لزيادة دفق مياه النيل.

– فرصة للأذى المتبادل بين دول الحوض.

– سبباً للحرمان من التعاون الدولي.

– سبباً في إهمال سلامة البيئة.

هذه خلاصة الوعيد المحتمل.

6) وفي المقابل فإن الوفاق في الحوض سوف يحقق المنافع السبع:

– أن ينال كل قطر في الحوض ما يؤهله له استعداده الطبيعي.

– الحيلولة دون التصرفات الانفرادية.

– إمكانية زيادة تدفق مياه النيل لا سيما في الهضبة الاستوائية، وفي إقليم دولة جنوب السودان.

– جذب التعاون الدولي.

– التعاون التنموي بين دول الحوض في إطار الكوميسا وفي إطار مشروعات مبادرة حوض النيل.

– التعاون لمصلحة سلامة بيئة حوض النيل.

– إمكانية التعاون الثقافي والدبلوماسي بين دول الحوض.

– تمكين السودان بالتعاون مع جاره الشمالي مصر، وجاره الجنوبي دولة الجنوب، وجاره الشرقي أثيوبيا وإرتريا من نقل دبلوماسية حوض النيل من المواجهة للتعاون.

7) مبادرة حوض النيل في جوهرها هي البديل الجماعي لاتفاق مياه النيل الثنائي، فهي المنبر الوحيد الجامع لدول الحوض وهي تكتسب قوتها من هذه الصفة لذلك ينبغي الانضمام إليها، وفي ما يتعلق بالنقاط الخلافية فإن دول المنابع مستعدة مع عدم الالتزام بالاتفاقيات السابقة النص على ألا يحدث أذى جسيم للدول المتشاطئة، ما يعني اعتبار الحقوق المكتسبة. كذلك يمكن بدل الإجماع والأغلبية البسيطة في اتخاذ القرار أن يكون القرار المعتمد بنسبة عالية من الأصوات. أما الإخطار المسبق لأي مشروع على الحوض فيمكن أن يكون للمفوضية. ولإدخال عنصر مشاركة دولية حميدة ينبغي أن تنضم دول الحوض للاتفاقية الدولية.

 8) إثيوبيا، وفي المناخ الاستقطابي الحالي، أقدمت على سد الألفية. ولكنها ما زالت على لسان المسئولين فيها تعلن استعداد بلادهم لمراجعة الآثار السلبية التي قد يسببها السد للسودان ومصر.

هناك آثار سلبية أهمها:

– سوف يؤثر السد على حجم المياه المنسابة شمالاً بما يحدث من بخر من البحيرة.

– سوف يؤثر قيام السد على أوقات إنسياب المياه.

– سوف يقلل قيام السد من حجم بحيرة السد العالي، ومن حجم الإنتاج الكهرومائي.

 – سوف يقلل السد من حجم الطمي الذي يخصّب أراضي السوداني ومصر.

ولكن هناك إيجابيات هي:

– الطمي الذي سوف يحجزه السد سوف يقلل من ترسبه في خزانات السودان، وفي السد العالي، ما يزيد من كفاءتها ويطيل عمرها.

– بالنسبة لنا في السودان فإنه سوف يحقق ما يحققه السد العالي لمصر وهو تنظيم انسياب مياه النيل الأزرق لمنع هجمتها قصيرة العمر وضبط فيضانها، وتنظيم توافرها على طول السنة، ما يقلل من مخاطر الفيضانات ومشاكل الهدام السنوية.

– الوادي الذي يقع فيه السد عميق، والمنطقة التي تخزن فيها مياهه طقسها أكثر اعتدالاً منه في مصر والسودان ما يجعل التخزين المائي أفضل من حيث البخر.

 – مهما شيد السودان من خزانات فإنه محتاج لمزيد من الطاقة، وكذلك مصر، السد سوف يوفر طاقة للتصدير لدول الجوار بما فيها مصر بتكلفة أقل من تكلفة إنتاجها لها.

والمطلوب في هذا الخصوص هو: أن نسعى للمشاركة في أوضاعه بما في ذلك الدراسات الفنية لضمان كفاءتها، وهي دراسات تقوم بها الآن لجنة فنية مشتركة بمشاركة دولية. ويرجى أن نقترح إدارة مشتركة للسد للاتفاق على الزمن المطلوب لملء بحيرة السد، ومواعيد انسياب المياه شمالاً، وفي مجال المزارعة يمكن الاتفاق على شق قناة من بحيرة السد لري أراض في السودان.

9) قيام سد الألفية سوف يزيد من الحساسيات الأمنية في حوض النيل، وهناك عوامل اقتصادية مشتركة، وعوامل ثقافية مشتركة، وهي عوامل تشير إلى ضرورة حد أدنى من اتفاقية إستراتيجية بين دول حوض النيل، بم أمكن تطويرها في اتجاه تكاملي. هذا المنطق ينطبق بصورة أكبر على العلاقة بين السودان ودولة الجنوب ومصر وإثيوبيا وإرتريا، وهناك عوامل تشد ليبيا إلى هذه العلاقة لوجود حوض مياه جوفية مشترك، ولإمكانياتها الإستثمارية المعلومة، فضلاً عن عوامل التكامل العربية الأفريقية المطلوبة.

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*