الربيع العربي: ثورة أم حل سياسي؟

الإمام الصادق المهدي

 

 

بقلم الإمام الصادق المهدي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

معرض الخرطوم الدولي للكتاب

الثلاثاء 3 سبتمبر 2013م

 

الربيع العربي: ثورة أم حل سياسي؟ وإسقاطاتها الثقافية

مقدمة

الشكر لمعرض الخرطوم الدولي للكتاب على دعوتي للمساهمة في إلقاء الضوء على هذا العنوان المهم.

أبدأ بتحرير المصطلحات. قيس التحرك السياسي الكبير ضد النظم الاستبدادية في البلاد العربية على ما حدث في تشيكوسلوفاكيا في الستينات من القرن الماضي، ما أحدث تصدعاً في حائط الاستبداد السوفيتي. الربيع فصل واضح المعالم في المناخات الشمالية، يقابله في ظروفنا الفجر الذي يعقب ظلام الليل. لذلك أفضل تسمية البهجة المرجوة بالفجر الجديد.

الثورة هي دورة كاملة يقوم بها ثوار، ويسقطون نظاماً ويحلون محله آخر، لتطبيق برنامج مختلف بصورة جذرية. إذن فالربيع العربي لم يكن ثورة إلا تمنياً. ولكنه كان حدثاً سياسياً مهماً إذ أسقط نظام الشرق الأوسط المعروف باستبداده، وأطلق عقال الحريات بصورة غير مسبوقة. ولكنها حرية لم تسبقها ثورة ثقافية، لذلك أفسحت المجال لبروز التناقضات الثقافية في المجتمعات التقليدية، والتباينات الفكرية في المجتمعات الحديثة بصوررة غير مسبوقة. هذه التناقضات أحدثت اضطرابات في الأمن القومي في البلدان المعنية ما أفسح المجال لتدخلات دولية، إلى درجة غير مسبوقة، بل في كثير من الأحوال صار التدخل الخارجي من مطالب القوى الوطنية:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا!!

المشهد في بلدان الربيع العربي وما فيه من مآخذ جعل كثيرين ينفرون منه ويصفونه بعبارات القدح قائلين: بل الجحيم العربي، أو الصقيع العربي! وبعضهم يشير إلى ما كان من استقرار في ظل الطغيان متحسراً قائلاً: ما بكيتم من شيء إلا بكيتم عليه!

عتبت على سلمٍ فلم هجرته وجرّبت أقواماً بكيت على سلم

قال الغزالي: (لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته إذ من شرط المقلد ألا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة). فيما يلي أرسم معالم هذا السبك الجديد عبر نقاط محددة:

أولاً: منذ البداية واجهت حضارتنا إشكالاً مزدوجاً: إشكالاً سياسيا حول نظام الحكم، وإشكالاً ثقافيا حول سلطة النقل ومساحة العقل، أو مجال الإلهي ومجال الإنساني.

نصوص الوحي أكدت حرية الرأي والاعتقاد: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[1])، وبلغت حرية الرأي والعقيدة في الحضارة الإسلامية درجة غير مسبوقة، وتمددت العقلانية معبرة عن حريتها برؤى فلسفية واستصحاب لفلسفة الحضارات الأخرى لدرجة قال معها المستشرق منتجمري واط: لقد استصحبت الحضارة الإسلامية ثقافات الحضارات الأخرى بصورة معجزة. هذا التمدد العقلاني ثبته الغزالي في الفكر وجمده التقليد في الفقه:

وَمَالِكٌ وَسَائِرُ اْلأَئِمَّهْ كَذَا أَبُو الْقَاسِمْ هُدَاةُ اْلأُمَّهْ

فَوَاجِبٌ تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُمُ كَذَا حكا الْقَوْمُ بِلَفْظٍ يُفْهَمُ

جمود الفكر والفقه هما صنو حجب الحرية في الحكم.

النصوص الإسلامية هي الأوضح في تاريخ الإنسانية تأكيداً لكرامة الإنسان، وحريته، وجعل ولاية الأمر شورى بين الجماعة. ولكن وضوح المباديء لم تصحبه مؤسسات لممارستها، لذلك اختلف الصحابة في ولاية الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وانقسم الرأي بين حزب الأنصار، وحزب المهاجرين؛ والمهاجرون بين أحقية قريش عامة وأحقية بني هاشم. ولأسباب سياسية اغتيل ثلاثة من خلفاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم الأربعة. واندلعت بعد مقتل الخليفة الثالث الفتنة الكبرى، ونصح المغيرة بن شعبة الخليفة معاوية، الذي آلت إليه الخلافة بشرعية التغلب، أن يجعل ولاية الأمر وراثة من بعده. هكذا قامت شرعية الحكم في العهد الأموي والعباسي، والعثماني، والصفوي، والمغولي على التغلب والتوارث في تباين تام مع مقتضيات نصوص الوحي.

الدول الإسلامية المذكورة استصحبت نظم الحكم الكسروية والقيصرية في إدارة شئون الحكم.

جمود الفكر، والتقليد، والاستبداد مع الزمن دمرت حيوية حضارتنا، وصنعت فيها حالة القابلية للاستعمار كما وصفها مالك بن نبي. احتـُلت أقطار المسلمين قطراً قطراً، وبعد رحيل الاحتلال خلفته نظم حكم وطنية وقومية واشتراكية، ومهما رفعت من شعارات فإنها انتهت إلى أحكام سلطانها على أساس نظام حكم فاشستي معالمه المشتركة:

– حزب أو عصبية حاكمة.

– أيديولوجية أو ولاء عشائري مهيمن.

– إعلام موظف لمصلحة السلطان.

– أمن مطلوق اليد.

– اقتصاد يحابي المحاسيب.

– توظيف العلاقات الخارجية لمصلحة النظام.

انقسمت النظم إلى متغلبة وراثية، وأخرى متغلبة بالانقلاب العسكري رفعت شعارات ثورية قومية أو اشتراكية أو إسلامية، ولكنها في كل الحالات مطبقة للنظام شرق الأوسطي المذكور.

ثانياً: النظام شرق الأوسطي هذا مارس أقصى درجات الاستبداد، والاستبداد صنوه الفساد. ولكنه اشترى لنفسه استقراراً بثلاثة أمور: إطلاق الحريات الشخصية والاجتماعية، وتكوين أجهزة أمن عالية الكفاءة في قمع أية ممانعة سياسية، وإبرام تحالفات مع الخارج.

هذا الطغيان ولد احتقاناً حاداً عبّرت عنه وثائق مشهودة:

– تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2002م بعنوان التنمية البشرية في البلاد العربية، وقوله: حدثت تنمية اقتصادية وتعليمية، ولكن من حيث الحكم الراشد فالمنطقة في ذيل العالم.

– وثيقة القوى المدنية العربية في 2004م بعنوان الاستقلال الثاني. هذه الوثيقة اعتبرت حكومات الاستبداد احتلالاً داخلياً.

– نداء البحر الميت في عام 2008م، الذي أشار لوجود استقطاب حاد بين الحكام والمواطنين ما يوجب حواراً جاداً للاتفاق على إصلاح سياسي تجنباً لانفجار محتمل.

هنالك أمران زادا حدة الغبن في نفوس المحكومين هما: التدهور الاقتصادي وما صحبه من تفشي العطالة، وتأزم السكن والغلاء؛ والأمر الثاني هو بروز دلائل الفساد بصورة ملفتة. ولكن كفاءة وقسوة أجهزة الأمن أحكمت قبضتها على مظان التحرك المضاد السياسية والنقابية، واستخدمت وسائل مجربة في اختراقها وتدجينها بالوعد والوعيد.

ومنذ ظهور إخفاق النظم العلمانية القومية والاشتراكية، لا سيما بعد كارثة 1967م، صار لدعاة الحل الإسلامي جاذبية أكبر في الأوساط السياسية، ما لفت إليهم نظر السلطات، ففي مصر استعانوا بهم ضد التيارات الاشتراكية والناصرية واللبرالية، وفي مرحلة لاحقة شددوا في ملاحقتهم، بل واستخدامهم فزاعة للغرب.

ومهما حدث في هذه المجالات فقد اتضح أن الشعار الإسلامي هو صاحب الحجم الأكبر في رأس المال الاجتماعي في البلدان الإسلامية. وساعدهم على الحضور في واقع المجتمع ما قاموا به من نشاط ديني واجتماعي يصعب على أجهزة الأمن منعه.

بعض الحوادث كاستقتال محمد البوعزيزي في سيدي بوزيد، واغتيال خالد سعيد في الإسكندرية، كانا قداحتين ساعدتا شبابا لم تكن حركتهم في رادار الأجهزة الأمنية، وتحركوا بوسائل اتصال مبتكرة وجديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر، فاستغلوا هذه الثغرة وأدت أنشطتهم إلى تجاوب شعبي مليوني، اندفعت القوى المنظمة الدعوية، والحزبية، والنقابية، في دعمه. وفي تونس وفي مصر تخلت القوات المسلحة عن حماية النظام فسقط. عندئذٍ وفي الحالتين وقفت الثورة لأن الذين كانوا رأس الرمح في إحداث التغيير لم تكن لديهم قيادة مطاعة ولا برنامج محدد.

نفس التطلعات الثورية حركت الشباب في اليمن، وفي ليبيا، وفي سوريا، بل وألهمت كل شعوب المنطقة لتتطلع لفجر جديد، ولكن عاملين تحكما في النتيجة في كل التحركات التي أعقبت الثورة المصرية هما: غياب عامل المفاجأة ما جعل الحكام يستعدون لمواجهة وقمع أية حركة؛ والعامل الثاني هو التدخل الخارجي سواء الإقليمي أو الدولي.

ثالثاً: الفراغ الذي أحدثه سقوط رئيسي تونس ومصر ملأته قوى تقليدية مدنية كما في حالة تونس، وعسكرية كما في حالة مصر، واتخذت من الدستور الموجود مرجعية بتعديلات محدودة، ونظمت انتخابات عامة حرة دون لجوء لأنماط ثورية لا في الحوكمة ولا في إقامة عدالة انتقالية، بل سارت العدالة على نفس مؤسساتها المعهودة.

وللأسباب التي ذكرناها سابقاً، فإن الانتخابات العامة الحرة رجحت كفة القوى الإسلامية حيثما أجريت انتخابات. ولكن بدا واضحاً أن الولاية الانتخابية لا تقضي تلقائياً على مراكز قوى أخرى أهمها:

– مؤسسات الدولة الموروثة القضائية والعسكرية والأمنية والمدنية. هذه كلها تكونت وتمددت وشرعت قوانينها في ظل نظم علمانية.

– مؤسسات دينية شرعية راسخة إسلامية ومسيحية.

– تباين طائفي وثقافي وقبلي داخل الجسم الوطني.

– مجتمع مدني معتاد على حريات شخصية واجتماعية حريص على استمرارها.

– مجتمع دولي له مواثيقه ونظمه ويستوجب الالتزام بها.

التجربة التركية مثل الربيع العربي أدركت ذلك، ومع ما حققت من انتصار انتخابي أعلنت التعايش مع العلمانية، ومع التطلع للاتحاد الأوربي، والاستمرار في حلف ناتو.

والتجربة التونسية بعد الانتصار الانتخابي شاركت قوى اشتراكية وليبرالية في حكم ثلاثي التكوين: الترويكا. ومع ذلك فإن استقرار التجربة يواجه خطراً حقيقياً من يمين إسلامي يكفر ويستبيح دماء مخالفيه، ويسار علماني يرفض أية مرجعية إسلامية.

التجربة المغربية بقيادة العدالة والتنمية تعايشت مع النظام الملكي، وتعايشت مع التعددية السياسية والنقابية، ولكنها كذلك تواجه التحدي المزدوج: فيمين يريد تديناً كامل الدسم، ويسار يريد علمانية كاملة الدسم.

التجربة المصرية مع أنها بكفاءة تنظيمية عالية حققت ولاية انتخابية كاسحة لحزب الأخوان المسلمين، مكنت منافسيها من النيل منها ما أدى لحركة 30 يونيو 2013م.

مشهد 30 يونيو حسمته القوات المسلحة المصرية، الجيش المصري ليس كالتركي انقلابي بل تدخلاته الثلاثة كانت ذات مبرر وطني وشعبي:

– في 1952 ضد عرش فاسد، واحتلال أجنبي، وإقطاع متحكم.

– في 2011 استجابة لمطلب شعبي مليوني ضد نظام معزول.

– وفي 2013 استجابة لمطلب شعبي مليوني ضد حكم وإن كان منتخبا فقد استقطب ضده قطاعات شعبية عريضة.

وفي الحالتين الأخيرتين لم يكن التحرك خفياً كعهد الانقلابات العسكرية بل علنيا.

أخطاء التجربة المصرية القاتلة كانت:

– الديمقراطية لا تقف عند الولاية الانتخابية بل توجب الحكم بالديمقراطية. الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 حصّن السلطة التنفيذية من المساءلة القضائية فأطلق حركة تمرد ضده.

– الديمقراطية توجب التوازن، لا سيما والأصوات التي فاز بها رئيس الجمهورية كان جزء كبير منها هو صوت احتجاج ضد منافسه، وكان الرئيس قبل الانتخابات قد أدرك الحاجة للتوازن فأبرم ميثاق “فرمنت” ولكنه بعد الفوز أهمله.

– الشفافية من أركان الديمقراطية، وبدا لكثيرين أن الرئيس مرؤوس، وأن من يرأسه ليس منتخباً ولا مساءل للناخبين. وبرز السؤال من هو رئيس مصر؟

– إن لثورة 25 يناير أهداف اقتصادية واضحة في كفالة العيش وشغل العاطلين، لم يحقق الحكم شيئاً من هذه الأهداف، بل هبطت السياحة، وقلت تحويلات المهجريين، وهربت كثير من الأموال، ولم تسترد الأموال المسروقة.

وحرصاً منا على استمرار الديمقراطية، وعلى مشروعية المرجعية الإسلامية، حرصنا حرصاً شديداً، وقدمنا أربع مبادرات بعضها من منبر الوسطية العالمية، وبعضها من حزب الأمة:

– في أول مبادرة كان بالإمكان تسوية الاستقطاب على أساس: إلغاء الإعلان الدستوري بتاريخ نوفمبر 2012م، وقبول تعديلات دستورية محدودة، وتكوين حكومة انتقالية واسعة.

– وفي آخر مبادرة كان بالإمكان تسوية النزاع بقرار إعلان انتخابات رئاسية مبكرة.

لكن المبادرات الأولى والأخيرة وما بينهما لم تحظ بالاستجابة. والحالة الآن في مصر محتقنة بصورة حادة، ولا يمكن لأحد طرفيها الانتصار على الآخر بالضربة القاضية ومحوه من الوجود الفكري والسياسي.

المؤسف أن أكثرية القوى السياسية السودانية اصطفت الإخوانية مع الأخوان والعلمانية مع الآخرين وهو اصطفاف من شأنه نقل المواجهة المصرية إلينا.

بينما الموقف الصحيح كما فعلنا في النصيحة الرابعة الرسالة المنشورة في 13 يوليو 2013 وفحواها تشخيص الأخطاء وروشتة وفاق.

رابعاً: التحدي الأساسي قبل وأثناء وبعد الربيع العربي من الناحية السياسية هو وجود قوى حقيقية تقول إن الإسلام دين ودولة، وقوى أخرى على نقيضها تقول: فصل الدين عن الدولة. السؤال المشروع: هل توجد أرضية مشتركة يقبلها عقلاء الطرفين رغم وجود صقور لا يقبلون إلا إلغاء الآخر ولو بالقوة؟

وهناك تحدٍ فكري وثقافي هو:

– هل توجد أرضية مشتركة بين فرق المسلمين السنة، والشيعة، والصوفية؟ ما لم توجد هذه الأرضية فإن المنطقة مرشحة لحروب بلا نهاية.

– وما هي إمكانية التعايش بين مسلمين يرون ضرورة التوفيق بين التأصيل والتحديث، وآخرين يرون كل ما لم يؤثر من السلف بدعة وضلالة؟

– وفي إطار قبول الآخر الملي بعض المسلمين يرون أن اختلاف العقيدة هو علة الاقتتال، وآخرون يرون أن العدوان هو علة الاقتتال، فإن لم يكن عدوان: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[2].

– وفي إطار الاختلاف الثقافي ما هي إمكانية احترام التعددية الثقافية والإثنية وما هي استحقاقات التعايش السلمي والاجتماعي رغم التنوع؟

– لا يستقر حكم مهما رفع من شعارات ما لم يحقق تنمية توفر ضرورات المعيشة والخدمات الاجتماعية والعدالة في توزيع الثروة. تنمية تضع حداً لثقافة العزوف عن العمل أي الكسل، وتضع حداً لثقافة الاعتماد على المنح. وهما مع الفساد وجمود المجتمعات التقليدية على أنماط سيكولوجية واجتماعية بائدة أهم المعوقات الثقافية للتنمية المنشودة.

– وما هي مشروعية نظام دولي يقوم على السلم والأمن الدوليين لا على دار حرب ودار سلام، ما يبرر وجود نظام دولي واحد، وما يبرر احترام المسلمين لنظم البلدان غير الإسلامية التي يعيشون فيها.

– وما هي مآلات حوار الحضارات وحوار الأديان.

– وأخيراً: ما هي إمكانية استصحاب الوطنية، والقومية، ودرجة الوحدة الإسلامية الممكنة؟

الإجابة على هذه الأسئلة ضرورية، وتوجب صحوة فكرية وثقافية إذا غابت فإن البلدان الإسلامية سوف تقع ضحايا لاستقطابات حادة تغذيها المكائد الإسرائلية. فإسرائيل تقيس أمنها بدرجة تفرق وتمزق وتآكل جيرانها، وسوف تشد أسباب التمزق إلى المنطقة كل إستراتيجيات الهيمنة الدولية، وذلك لأهمية المنطقة التي قال عنها أيزنهاور إنها أثمن رقعة أرض في العالم، مما سوف يجعل الهيمنة عليها هدفاً غالياً لهم جميعاً.

خامساً: مثلما كانت تجربة النظم العلمانية في المنطقة في تونس وفي مصر وفي غيرهما دليل على استحالة طرد الإسلام من الشأن العام، فبعد 70 عاماً في تركيا وآسيا الوسطى هزم المشروع العلماني المتطرف. وفي السودان وبعد ربع قرن من أحادية ترفع شعار الإسلام يجد السودان نفسه بين ثلاثة نيران: نار تجربة حكم تعاني من التشظي والتدويل، ونار غلاة في اليسار يريدون طرد الدين من الحياة العامة، ونار غلاة في اليمين يكفرون من يخالفهم وإن صلى وإن صام.

ومن بين كل البلدان المعنية فإن السودان هو الأعمق وأطول تجربة مع كل الشعارات: اللبرالية، والشيوعية، والإسلامية، ما يؤهله لتقديم أجدى معادلة لقضية الدين والدولة، وأفضل اجتهاد في أمر الصحوة الفكرية والثقافية.

إن حركة الربيع العربي ألقت بحجر كبير في بركة آسنة. الحنين للسكون القديم لا يجدي. والتطلع لاستقرار دكتاتوري مع انعتاق الشعوب مستحيل، ومحاولة أحد طرفي المعادلة فرض إرادة أحادية غير مجدية، بل تقود لممارسات استبدادية قصيرة العمر. والتدخل الدولي سوف يحاول إخضاع الدول المعنية لإرادته ، ولكن لهم فيما حدث في أفغانستان والعراق عبرة، فمهما تدخلوا وقضوا على الحكام فما صنعته الشعوب مخالف للإرادة الدولية المعنية.

ختاماً أقول: الربيع العربي انتفاضات سياسية، ولكنها فتحت الطريق لثورة حقيقية في معادلة الدين والدولة، توجب التخلي عن أنماط أحادية قديمة، وتوجب كذلك ثورة ثقافية في التعامل مع الوافد من الماضي والوافد من العصر الحديث، ومع أن هذا الأفق الثوري قد يواجه عثرات، فلا بد من صنعاء وإن طال السفر.

حركات الفجر العربي الجديد انتفاضات سياسية فتحت الطريق لثورة مطلوبة للحاق بالعصر دون تفريط في متطلبات الأصل.

 

[1] سورة الكهف الآية 29

[2] سورة الممتحنة الآية (8)