حول الأحداث التخريبية في الجامعة الأهلية 15/6/2005م

حول الأحداث التخريبية في الجامعة الأهلية 15/6/2005م

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الإمام رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي التي ألقاها لدى لقائه بأسرة مجلس أمناء جامعة أمد رمان الأهلية عند زيارته لها عقب الأحداث التخريبية المؤسفة التي وقعت بالجامعة يوم الأربعاء الموافق 15/6/2005م

 

20/6/2005م

أخواني وأخواتي .. أبنائي وبناتي

السلام عليكم ورحمة الله

جئنا إليكم معزين ومتفقدين للأحوال بعد الأحداث، إن ما رأيناه  مؤثر جدا  ويؤسفنا كآباء أن ندى  سلوكا كهذا من بعض أبنائنا وبناتنا، ولكن على كل حال تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. إن المشهد الذي رأيناه قبيح وغير مسبوق ولاشك أن  من خططوا لهذا العمل لم يكن هدفهم مجرد التخريب بل قصدوا نتائج معينة. هناك صورتان للجامعة:  الأولى الجامعة كمؤسسة تابعة لجهة تديرها وتحكمها، والثانية الجامعة كثمرة للجهد الشعبي الأهلي السوداني وهذه هي الصورة التي نسعى جميعنا للحفاظ عليها ونرفض التغول عليها, القضية الأساسية الآن هي كيف تحافظ الجامعة على هويتها كثمرة لجهد قومي شعبي أهلي سوداني وتصد عن نفسها المؤامرات التي تهدف لوضعها تحت وصاية سياسية أو إدارية لأية جهة من الجهات. إن أهم ما يجب عمله في اعتقادي في المرحلة القادمة هو نشر تفاصيل الأحداث بموضوعية وشفافية لتمليك الشعب السوداني الحقيقة كاملة ومفصلة لأن هذا حقه، والآن توجد حول هذه الأحداث روايات مختلفة ومتضاربة. ونحن نريد أن نعرف الثغرات التي أدت إلى وقوع هذه الأحداث،هذه المعرفة مهمة بالنسبة لنا ولكم، فهناك تساؤلات كثيرة بهذا الشأن: مثلا أين كان أمن الجامعة ؟ ما هو دور الإرهاصات التي سبقت في وقوع هذه الأحداث؟ وهل كانت هناك إمكانية لتلافيها؟. في اعتقادي أن الجهة التي تقف وراء هذه الأحداث جهة غير سوية لأن ما قامت به هو عمل يائس في غير وقته وسوف يؤدي إلى نتائج عكسية لأن الظروف الراهنة غير مناسبة لهذا النوع من التغول حيث تتجه البلاد نحو سيادة حكم القانون وحقوق الإنسان والتعددية والرقابة الدولية . واجبنا الآن أن نحقق النتائج العكسية لهذا العمل لاسيما وأن الأمم المتحدة  الآن تضع السودان تحت المجهر وتلاحقه بالقوانين والقرارات والبيانات وأصبح موضوع حقوق الإنسان والحريات الأساسية وسيادة حكم القانون من الأمور التي ستفرض فرضا بصرف النظر عمن شاء أو وفي هذا السياق لا بد أن نعرف من هم المجرمون ليحاسبوا وينالوا عقابهم، فنحن الآن بصدد البحث عن  كيفية معاقبة من أجرموا في مواقع أخرى ولذلك فإن فتح هذا الباب سيجعلنا أكثر حرصا على الاقتضاء والمساءلة. المرحلة الجديدة الآن سيكون فيها حكم ثنائي، ليس لدينا تحفظ على هذا الحكم بشرط الالتزام بكفالة حقوق الإنسان والحريات وسيادة حكم القانون وإجراء انتخابات حرة نزيهة وهذا سوف يخلق معارضة مدنية سلمية في البلاد وسوف تكون الرقابة الدولية أحد ضمانات كفالة الحقوق والحريات للشعب السوداني فالمنظمة الدولية لن تدخل السودان وهى (عارية من ملابسها) المتمثلة في حقوق الإنسان والحريات العامة ومن واجبها أن تحافظ على هذه المعاني وفي سياق هذه الأوضاع الجديدة وبصرف النظر عن موقفنا من الوضع السياسي القائم فإن هناك أسس في مجال التعليم الجامعي يجب الحرص عليها وانتزاعها:

أولا: أن يكون التعليم الجامعي في حدود اختصاصاته مستقل وله قوانين تحميه ويجب النص على هذه الاستقلالية في الدستور.

ثانيا: تنظيم النشاط السياسي والفكري بصورة ديمقراطية خالية من العنف وفيها قبول الرأي والرأي الآخر فهذا تقتضيه ظروف بلادنا التي تعيش مرحلة تكوينية وكل قيادات العمل السياسي في الحكم والمعارضة تدربت على الممارسة السياسية في الاتحادات وقهوة النشاط والندوات في الجامعات.

ثالثا: يجب أن  يكون لكل جامعة أمن تابع لها  ليكتشف أي نوع من التآمر على الجامعة ويمكن إدارتها من التصدي له بالطريقة المناسبة. ختاما إننا ناسف كثيرا لما حدث بالجامعة الأهلية في هذا التوقيت الذي نتطلع فيه لانتقال البلاد إلى الشرعية الدستورية وسيادة حكم القانون واستقلال القضاء وكفالة  حقوق الإنسان والحريات فأرجو أن يكون ما حدث محفزا لنا للعمل على ترسيخ هذه المعاني، كل في موقعه، ويجب على كل الجامعات أن تقف في خندق واحد دفاعا عن استقلالية التعليم الجامعي وضمان ذلك في الدستور والقانون، كذلك تنظيم العمل السياسي في الجامعات.

الجامعة الأهلية ـ في اعتقادي ـ أصبحت رمزا للجهد السوداني القومي الشعبي الأهلي الناجح. جميعنا أصحاب مصلحة في حماية هذا الجهد لأنه من  إفرازات العبقرية السودانية فلابد  أن يعمل الجميع على صيانته. وأعتقد أن هناك أناس في مواقع مختلفة من المسئولية يدينون ما حدث وعلى استعداد لتقديم الدعم للجامعة دون تردد  وذلك ينطبق على الشعب السوداني وذلك ينطبق حتى على  الذين يشاركون من تسببوا في الأحداث الانتماء الفكري والسياسي. أنني أعتقد ذلك انطلاقا من حسن الظن بالسودان والسودانيين، يجب أن نجعل هذه المعاني من مكتسبات المرحلة القادمة. إننا الآن يجب أن نعرف بصورة واضحة ومنضبطة حجم الخسائر وعلى الشعب السوداني أن يساهم في إصلاح ماتم تخريبه ويجب تشكيل لجنة قومية لذلك نظرا لما تمثله الجامعة الأهلية من رمزية.

إنني أكرر تعزيتي لكم وأقول رب ضارة نافعة، فالحقائق التاريخية عادة ما تنتزع في مثل هذه الظروف، فلنجعل من هذه الأحداث فرصة لترسيخ مبادئ ومعاني نحتاجها في هذه المرحلة التكوينية التي لا ندري بالتحديد ما ستنتهي  إليه، ولكن ليساهم كل منا في خلق معاني معينة ويجعلها جزءا من مكتسبات الشعب السوداني. وأخيرا أتمنى أن يجد ما أصابكم من أذى وإساءة بالغة علاجا كافيا وافيا، و أرجو أن يستأنف التعليم في الجامعات بسرعة وعلى الجهات المسئولة المعنية أن تثبت لمن قام بهذا العمل أن أهدافه لن تحقق، ويجب أن يظهر هذا العمل الإجرامي شاذا ومعزولا حتى يدرك من أجرموا أن مقاصدهم العليا قد هزمت، إن على كل القوى السياسية  أن تأتي وترى بنفسها هذا المشهد وتنقله للرأي العام السوداني، فالرأي العام أكبر محكمة.

وختاما: أكرر دعوتي لإزالة هذه الآثار الهمجية بأقصى سرعة.