كلمة الإمام الصادق المهدي في ورشة تطوير الجزيرة أبا وريفها

الإمام الصادق المهدي
الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي وإمام أنصار الله

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي التي ألقاها في

افتتاح ورشة تطوير الجزيرة أبا وريفها

يوم السبت الموافق 6 إبريل 2013م

 

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،،

الأخ رئيس الورشة

أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي

السلام عليكم ورحمة الله،،

أنا سعيد جداً بحضور هذه الورشة، وشاكر ومقدر لكل الذين ساهموا بالتحضير لها بالفكر والتخطيط والدراسة والبحث والدعوة وتنظيم كافة الإجراءات، وأود أن أساهم فيها بمساهمة انتهي منها إلى توصيات أرجو أن تجد الدراسة والقبول.

مقدمة:

أشيد بما أقدمت عليه ورشة تنمية وتطوير الجزيرة أبا وريفها تحت شعار أبا الماضي والحاضر وآفاق المستقبل.

إن لبعض البقاع بركة تميزها، الجزيرة أبا مع حجمها الصغير كان لها دوراً كبيراً بل صارت أبا بقعة رسالية.

كانت أبا مجرد مسكن لبعض قبائل الجنوب، ومجرد مرتع لبعض قبائل النيل الأبيض الرعوية، وعندما استقر فيها الشيخ محمد أحمد أسس فيها خلوته للقرآن، ثم وفدت إليها أسرته لما فيها من غابات تصلح لصناعة المراكب، هذا العمل الذي كان مورد رزقها، ولكن الشيخ محمد أحمد كان متعلقاً بمعاني القرآن، لا مجرد حفظه وتعليمه ، وكان يكثر من التعبد في غارين أحدهما صيفي والآخر شتوي.

وكما أفاد هجمت عليه الخلافة الكبرى (المهدية)، وقال: “إني عبدٌ مأمورٌ بإحياء الكتاب والسنة المقبورين حتى يستقيما”، لذلك وقبل الإعلان كاتب الناس يدعوهم إلى الهجرة لمكان يكون فيه قوام الدين وهو الجزيرة أبا في 1298هـ.

كان في الجزيرة أبا مولد الدعوة، وكانت فيها المواجهة الأولى مع دولة الاحتلال، وكانت فيها الموقعة القتالية الأولى التي ماثلت من حيث الشكل والموضوع موقعة بدر، فصارت صدىً سودانياً لبدرٍ الكبرى.

وتواصلت الانتصارات بعد واقعة أبا إلى أن هزمت دولة الاحتلال، وقامت دولة طبقت شريعة الإسلام، وصنعت للسودان التاءات الثلاث: التوحيد، والتحرير، والتشريع، وشهرته بين الأمم.

وتعرض السودان للاحتلال الأجنبي مرة أخرى، وفي ظله اتجه ابن المهدي نحو الجزيرة أبا في هجرة ثانية، ومرة أخرى هاجر كثير من أهل السودان ليلحقوا بابن المهدي.

كان السيد عبد الرحمن يدرك بصفاء إيمانه وثاقب عقله صحة مقولة الإمام المهدي عليه السلام: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال”.

الحقيقة المستخلصة من كل التاريخ هي أن لا جديد بلا قديم. الدعوة الاسلامية نفسها هي ابتعاث للرسالة الإبراهيمية (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)[1]، وكل تجديد لا يقوم على جذور هو نبت غريب، ولذلك لا جديد بلا قديم كذلك لا تقدم بلا تجديد، هذان صنوان يسيران مع بعض، لأنه مثلما قال:

إذا أَنتَ لَم تَحمِ القَديم بِحادِث مِنَ المَجدِ لَم ينفعك ما كانَ مِن قَبل

قال الإمام عبد الرحمن: “الجهاد أوسع من القتال فيمكن أن يصير بوسائل مدنية” وهذا فهم ديني أساسي لأن ربنا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا)[2]، يعني القرآن أي جاهد بالقرآن، وفي الحقيقة أن كثيرا من الناس يسمون سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالمغازي، باعتبار أنه صنع ما صنع بالقتال، هذا خطأ، والحقيقة هي أن أهم انجازات الدعوة الإسلامية كانت مدنية سلمية، فقد أقام صلى الله عليه وسلم الدولة في المدينة سلمياً، مثل ما قالت السيدة عائشة رضوان الله عليها أن المدينة فتحت بالقرآن واستمال الجزيرة العربية كلها في عامي الحديبية سلمياً، ودخل مكة سلمياً، وهذه أهم انجازات الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته. هذا يعني أن فكرة أن يكون الجهاد مدنياً فكرة أصيلة في التركيبة الاسلامية. قال الإمام عبد الرحمن: “الجهاد أوسع من القتال فيمكن أن يصير بوسائل مدنية، والزهد في الدنيا لا يعني هجرها بل أن تخرجها من قلبك فلا تستعبدك بل تضعها في يدك فتستبعدها” وهذا هو المفهوم الصحيح لعبارة الراتب “ولا تجعل في قلوبنا ركونا لشيء من الدنيا يا أرحم الراحمين”، فالركون هو أن تصير للدنيابمعنى أن تسلم لها وتركن إليها وتعتمد عليها وتتوكل عليها، لا، بل تجعلها في يدك لتستغلها لا في قلبك لتستعبدك، وهذا هو المفهوم الصحيح لعدم الركون للدينا، وهذا الدعاء (لا تجعل في قلوبنا ركونا) جعلت كثير من الناس يخرجون في توقعاتهم من هذه المفاهيم باعتبارها مفقرة للإنسان. لذلك وصف الإمام عبد الرحمن نشاطه الاقتصادي في كتاباته بأوصاف ذات مضامين معنوية:

قال : الدائرة أنشئت إنشاءً اجتماعياً ساهم فيه شعب المهاجرين والأنصار، أي ليس فردياً.

وقال: “الدائرة مؤسسة اقتصادية ذات أعمال قوامها رجال ذووا غيرة وتقدير لأعمالها لا من أجل مصلحتهم الشخصية ولكن من أجل أغراض تسمو عالية على المادة وترتفع لتأييد معاني روحية ووطنية”.

عندما انتصر ونجيت في معركة أم دبيكرات أرسل لزوجته برقية قال فيها: احتفلوا فقد قضينا على المهدية.

ولكن من الجزيرة أبا للمرة الثانية انطلقت الإرادة الصادقة التي جعلت كيان الأنصار لدى جلاء قوات الاحتلال بعد نصف قرن من الاحتلال الكيان الديني الأكبر في البلاد وجعلت الحركة الاستقلالية التي هم عمودها هي القوة السياسية الأولى في البلاد. خمسين سنة نقضت تلغراف ونجيت. وصارت الجزيرة أبا صورة حية أقرب صورة للمدينة الفاضلة حيث الفضائل السبع في تجربتها التاريخية:

أولاً: المجتمع الذي اتقى لله حق تقاته.

ثانياً: الالتزام بمكارم الأخلاق.

ثالثاً:المجتمع المنتج في كل مجالات الإنتاج، الطاقة الحماسية الإيمانية تحولت في المجالات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية وكان فيها ما كان.

رابعاً: التنوع البشري الهائل المرتبط رغم تنوعه بالمحبة والإخاء والوفاء، بحيث امتص العصبية القبلية، وجعل الناس إخوة وصارت تركبية مصغرة لكل السودان فيها هذا المعنى، وطبعاً التنوع في البشرية هو حتمية قدرية، ولكن أن تتجاوز هذا التنوع وتوظفه للوحدة هذا هو الذي كان في تاريخ الجزيرة أبا.

خامساً: العنصر البشري الذي شاعت عنه شجاعة فدائية وإخلاص للعمل لا يجارى، هم أحفاد الذين كانوا مع الإمام المهدي وقال عنهم المؤرخين لم نر في أشجع من هؤلاء في كل تاريخ الإنسانية، فهذه الشجاعة تحولت إلى حماسة مدنية وإخلاص في العمل الكبير في كل المجالات.

سادساً: المجتمع الذي أقام الأمن بداخله دون حاجته للسلطة، الناس لوحدهم طبقوا الأمن الذاتي.

سابعاً: المجتمع الرائد في كافة وجوه التنمية البشرية، اجتماعية، اقتصادية، الخ.

هذه هي المعاني السبع التي حاول كل طغاة السودان محوها من الوجود، لأنها تمثل شرعية مختلفة بمجرد وجودها، وشرعية ناقدة لباطلهم، ولذلك حاولوا جميعهم طمسها وطمس هذه المعاني لكي تتحول الجزيرة أبا لمجتمع ككل المجتمعات الأخرى بما فيه من سلبيات، لتكون بلداً عادية وتنزع منها هذه الروح وهذه المعاني، بدليل:

· الحكم البريطاني كما تدل وثائقه كان يضع الجزيرة أبا تحت المجهر والمراقبة، لكيلا تحتشد فيها الجموع ولكيلا يزيد سكانها. وفي بعض الظروف التي كان فيها أناس موجودون حول الجزيرة أبا فإذا حصل اجتماع كبير يرسلون تقارير للسكرتير الإداري في الخرطوم أن كذا وكذا يحدث في الجزيرة أبا وهذا موجود في الوثائق. وكان المفتشون يفتشونها ويتأكدوا من إحصاء سكانها لئلا يزيدون.

· وفي عام 1946م لدى قيام تعلية خزان جبل أولياء حسبوها ضمن الأراضي التي سوف تغرق وتروح كما حدث لمناطق كثيرة في النيل الأبيض، لولا أن الإمام وأهل الجزيرة أبا صمموا على حمايتها فحموها من الغرق. وفعلاً أنقذوها من الفيضان الذي سببته تعلية جبل أولياء.

· وصمم نظام 25 مايو 1969م كذلك على محوها من الوجود معنوياً، وأدخلوا كل السفاهات الموجودة في السودان فيها لتفقد طبيعتها الرسالية، وتطمس المعاني السبعة المذكورة. ليكون فيها كل الخرق والسفه والتفاهة الموجودة في مدن السودان الأخرى وتفقد طبيعتها الرسالية.

· وهو نفس ما أقدم عليه نظام انقلاب يونيو 1989م، فقرر تأميم الجزيرة أبا في 1991م، وهي مسجلة باسم الإمام عبد الرحمن وهذا صحيح، ولم يكن هنالك وصية بشأنها ولكن في أوراقه حديث كثير عنها، لذلك انطلاقاً من هذه الروح طالبت ألا توزع الجزيرة أبا للورثة وأن تملك للأهلها كما ذكرت. وورثة الإمام عبد الرحمن تنازلوا منها لسكان الجزيرة أبا وهذه حقيقة لا يمكن محوها وسوف تعود الأرض لأهلها إن شاء الله. والخلفية التاريخية لملكية الجزيرة أبا هي كالتالي: في عام 1970م بعد الحوادث المشئومة التي هاجمت فيها ثلاث جيوش مسلحة بأسلحتها الثقيلة أهل الجزيرة أبا ثم ودنوباوي العزل وضعت حكومة الطغيان المايوي يدها على كل أملاك دائرة المهدي المسجلة باسم الإمام عبد الرحمن وكان ما كان من سجال بيننا وبينهم انتهى إلى مصالحة وطنية في عام 1977م. في محادثات المصالحة سلمني رئيس النظام ملف أملاك دائرة المهدي، فقلت له أنا لا أفاوضكم باسم ورثة الإمام عبد الرحمن بل باسم الشعب السوداني من أجل استخلاص حقوقه وحرياته، وإذا كنت تريد أن تعمل في الدائرة نظاماً فإنكم وضعتم عقوبة ليس علينا فقط بل آخرين أيضا آل عثمان صالح وكونت ميخالوس وآخرين كثيرين، إذا أردتم رفع العقوبة فارفعوها منا كلنا ولسنا وحدنا فلا تكون كأنها رشوة سياسية. أما الدائرة فإذا أنتم قررتم رفع العقوبات عن كل من صادرتم أو حرستم أملاكهم فأعلنوا ذلك وبالنسبة لأملاك الدائرة سلموا الملف للجنة فنية من المراجع العام والنائب العام وممثل للمالية وللبنك المركزي وفوضوهم أن يحصوا قيمة الأملاك ويخصموا ما عليها من ديون ثم يوزعوا للورثة استحقاقاتهم الشرعية بشرط استثناء الجزيرة أبا فهذه لا توزع على الورثة بل تؤدي لأهلها واستثناء مجمع بيت المهدي فهذا يؤول وقفاً للأنصار وهذا إجراء فني إداري لا دخل لي به بشرطين ألا تورث الجزيرة أبا بل تملك للأهلها وبيت المهدي يكون وقفا للأنصار. وافق على هذا الطلب وسلموا الملف للجنة الفنية التي جمعت ووزعت الأملاك للورثة واستثنت الجزيرة أبا وبيت المهدي كما طلبنا. هذه الحقائق موثقة ويشهد عليها السيد حسين عبد الرحيم المراجع العام يومئذٍ وقد كان رئيس تلك اللجنة. هذا هو التاريخ. فإذا كان هناك قرار أصلاً صدرت به تعليمات من الحكومة أن الجزيرة أبا ستملك لأهلها فما لزوم تأميمها؟ ولكنهم أمموها وهذا التأميم خطأه أن يقولون أنهم سيملكون الناس بيوتهم وباقي الأرض يترك للإدارة المسئولة تبيعها كما تريد. فصارت الإدارة تبيعه لتغطية مرتباتها ومخصصاتها ولمن لهم مال أي رأس مالية طفيلية تمتلك الجزيرة أبا بهذه الطريقة كمشتر من الحكومة، وهذا خطأ ويناقض ما اتفقنا عليه أن الجزيرة أبا لأهلها. وكنا كما تعرفون كونا لجنة وبدأت عمل التسجيلات والتريبات لتكون الشخصية الاعتبارية التي تمثل أهل الجزيرة أبا التي تسجل بموجبها الأرض. كلام تأميم الجزيرة أبا معناه أن تتحول الجزيرة أبا لرصيد أرض لإدارة تبيعها لتغطية مرتباتها ومخصصاتها لسكان جدد فتتغير طبيعة سكان الجزيرة أبا. هذا خطأ وغير مقبول ومرفوض، لا بد أن تكون الجزيرة حسب ما هو معلوم ومتفق عليه. أصحاب الحق قالوا نحن متنازلين من هذا الحق لأهل الجزيرة أبا هم ذاتهم أصلا اشتركوا في تعمير الجزيرة أبا لذلك هم يستحقونها، هذا الكلام لا بد أن يصير ولا يمكن نتنازل عنه مهما كانت الظروف، وأي تصرف في هذه الأراضي نعتبره خطأ و(الني يرجع للنار).

· وفرض النظام الجديد خططاً لتعمير الجزيرة أبا أيضا لتصير مدينة عادية مثلها مثل أية مدينة أخرى لنزع هذه الرسالية منها. وكما قال المتنبي عن أخت سيف الدولة:

وإنْ تكُـنْ تَغلِـبُ الغَلبـاءُ عُنصُرَهـا فـإنَّ فـي الخَـمرِ مَعنًى لَيسَ في العِنَبِ

الجزيرة أبا فيها هذا المعنى إن فيها معنى ليس في العنب، يريدونها أن تكون كباقي العنب! هذه هي الفكرة ألا تصير فيها هذه المعاني الرسالية.

لقد كنا في العهد الديمقراطي نريد بعث أبا الرسالية وذلك بخطة تجعلها رائدة في الإرشاد الديني بجهد ذاتي، والتنمية الريفية والفنية بدعم من إيطاليا وكندا؛ بعث ينطلق من مفهوم تعاوني يملّك الجزيرة أبا لأهلها بموافقة طوعية لورثة الإمام عبد الرحمن، وفي هذا الإجراء تأكيد لأن رابطة الإخاء أقوى من المصلحة الذاتية، ولكن النظام الحاكم بعد أن أجهض مشروع تنمية الجزيرة أبا، أراد كذلك أن يمحو تلك المعاني الرسالية، ففرض خططا لنزع الصفة الرسالية، بل ويفوت على أهل الجزيرة أبا حقهم في أرضهم لأن ملكية الحكومة لها سوف تجعلها نهبا للإدارات التي تبيع الأراضي لتمويل نفقاتها الباهظة.

وهذه هي نفس السياسات التي خلقت تناقضاً بين الدولة وبين أصحاب الأراضي في مناطق كثيرة، وسببت ما سببت من اقتتال، وأهم مناطق دارفور التي بها الفتنة القائمة مسألة الحواكير، مثلاً يضعون أيديهم في حواكير القبائل كالمساليت والفور، ويقولون أن هذه الحواكير للدولة والدولة تفعل فيها ما تشاء فتعطيها لقبائل أخرى وهذا ما خلق تناقضا بين أصحاب الحواكير والملاك الجدد، وهو أساس الفتنة في دارفور والنزاع الآن في جبل عامر، وهي حاكورة لبني حسين والحكومة تريد أن تجلي المنطقة وتضع يدها علي الجبل لأن فيه ما فيه من ذهب، صحيح أن الأرض ليست مسجلة ولكن لهم حقوق تسمى حقوق التزرعة، أي حقوق انتفاع من مرعى، وطق جنين.. الخ فهي إذن تتبع لإدارتهم أي (حواكير)، وهم لا يمنعون الآخرين من الانتفاع منها ولكن ذلك لا يكون إلا بإذنهم، وهذا مفهوم مهم جداً، ومفهوم عدم احترام أصحاب الحق هو ما يأتي بالفتنة، أصحاب الحق أصحاب التزرعة، أصحاب الانتفاع هم أصحاب المصلحة الأولى وأي تطوير لمناطقهم يجب أن يكون برضاهم وليس رغم أنفهم.

كما تعلمون القاعدة لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال. وكانت خطتي أن تكون الجزيرة أبا ملكية جماعية لأهلها ثم توضع خطة لتطوير الجزيرة أبا بصورة تعاونية جديدة.

كما كان تصوري أن كيان الأنصار نفسه سيكون قائما على المشاركة وأن تكون الإمامة نفسها حسب وصية الإمام الصديق المعلنة بانتخاب الأنصار.

وصارت الفكرة أن يبعث كيان الأنصار على أساس هياكل جديدة، وأن تطور الجزيرة أبا كذلك على أساس خطة جديدة. كما ترون الفهم الواضح نحن الآن يجب نتحدث عن الطور الثالث للمهدية، الطور الأول المهدي وخليفته، الطور الثاني الإمام عبد الرحمن وخليفتيه، الطور الثالث الآن ونحن نتحدث عن الطور الثالث للمهدية ليس الثاني ولازم يكون واضح لنا أننا نقلنا من صفحة إلى صحفة، وكذلك نفس الشيء نتحدث عن الطور الثاني لحزب الأمة القومي، وعندما جئنا نعمل الطور الثاني لحزب الأمة سميناه حزب الأمة القومي الجديد لنقول هذا طور تاني ليس الطور القديم، لا لأن الطور القديم سيء ولكن الطور الأول فيه تجديد وكما قلنا الطور القديم معروف، ولا جديد بلا قديم ولكن الطور الجديد مطلوب لأنه لا تقدم بلا تجديد هذه هي المعاني التي يجب أن نخدمها بأننا لازم نتكلم عن الطور الثالث للمهدية ونتكلم عن الطور الثاني لتكوين حزب الأمة.

ولكن المصالحة الوطنية جمدت ثم أجهضت لعدم وفاء النظام المايوي باستحقاقات الوطن وعدنا للمساجلات من الداخل إلى أن استطعنا اقتلاع النظام عن طريق انتفاضة رجب/ ابريل 1985م المجيدة.

ومنذ استرداد الديمقراطية شرعنا في إقامة النظام الجديد في الجزيرة أبا وقطعنا شوطا في ترتيبات الكيان الجماعي الجديد وفي الخطة التنموية الجديدة التي قامت على توفير الكهرباء من الرصيرص باتفاق مع يوغسلافيا بأن تأتي لنا باالكهرباء من الرصيرص لكهربة النيل الأبيض كله من الرنك إلى القطينة بما فيها الجزيرة أبا، وخطة تنموية للجزيرة أبا باتفاق مع إيطاليا حتى تصبح الجزيرة أبا نموذجاً للتنمية الريفية في السودان، وإقامة معهد فني لتأهيل الكوادر المطلوبة لللتنمية باتفاق مع كندا، وطبعا هذا الدرب لماه النمل ووطاه الفيل.

هذا المشروع التنموي أجهضه قيام انقلاب يونيو 1989م.

والآن الموقف هو أن كيان الأنصار قد صار يقوم على أساس جديد تمثله هيئة شئون الأنصار، وإمامة الأنصار صارت انتخابية والبيعة التي أساسها بيعة الإمام المهدي وخليفه، ثم صارت بيعة الإمام عبد الرحمن وخليفتيه، عدلت على أساس جديد ونصها: (بايعناك على بيعة الإمام المؤسس الأول وخليفته، وبيعة الإمام المجدد الثاني وخليفتيه، بايعناك على قطعيات الشريعة، بايعناك على نهج الشورى وحقوق الإنسان، بايعناك على فلاح الدنيا وصلاح الآخرة، بايعناك على الطاعة المبصرة فيما يرضي الله ورسوله، ونشهد الله على ذلك والله خير الشاهدين)، هذا التطوير الذي حدث على محتوى البيعة.

بيعتنا هذه ليست بيعة مغانم إنما مهرها أمران الجهاد والاجتهاد، الذي يريد أن يمد رقبته فيها يشد حيله جهاد واجتهاد لأن هذان الاساسان، أما أي زول يقول أنا عايز مبايعة ولا بيعة بدون جهاد ولا اجتهاد معناه لم يدفع مهر هذه العروس، مهرها الجهاد والاجتهاد وهذا أصلا موقفها مذ كانت من عهد الإمام المهدي والآن أضفنا إليها معنى آخر وهو القبول الشعبي حتى لو كنت مجتهد ومجاهد لازم يكون لديك قبول الشعبي على سنة قول الحكيم:

إذا أنت لم تحم القديم بحادث من المجد لم ينفعك منا كان من قبل

وهو المعنى الذي خاطبني به المخلص:

تبعتك عن عهد قديم عرفته وأعجبني المسعى فبايعت ثانياً

كان هدف الطغاة المستمر هو تدمير أبا الرسالية لتصير مجرد تجمعاً سكانياً عادياً ولكن أراد الله أن يتكرر لأبا دورها الرسالي، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)[3].

آن الأوان لنبرمج لأبا دورها الرسالي الجديد وهو أن تكون انموذجا لمشروع حضاري يحقق أهدافه وينير الطريق للآخرين.

لقد بلغكم لا شك مشروع البقعة الجديدة، وهدفه أن يصير أنموذجاً للتنمية الحضرية لأن مدن السودان الآن تحتضر بلا بوصلة تحدد تطورها، لا خدمات والوضع المختلف والناس عايشة في صورة إذا انفرط الأمن يوماً واحداً ممكن أن يأكل الناس بعضهم ليس هناك شعور بتراضٍ ولا رضا ولا انسجام فالمدينة السودانية برأيي محتضرة. لذلك نريد للبقعة الجديدة أن تكون أنموذجا للمدينة الصحيحة لأن المدينة الحالية محتضرة في هذه المدن القمامة تملأ كل محل والفقراء تأكل من القمامة والخدمات الصحية، والتعليمية، والبيئية متردية وهناك أحياء اسمها (الله مافي) الشرطة لا تستطيع تدخلها. وهذه كلها قنابل موقوتة ممكن تنفجر في أي وقت ولذلك وجب التفكير في مدن جديدة كالبقعة الجديدة نموذجا للخروج من هذه الحالة. مدن السودان الآن تحتضر من يرى غير ذلك لا يرى لأن مدن السودان في حاجة لبوصلة تطورها.

أما أبا الجديدة يمكن أن تصير أنموذجا لتنمية حضارية ريفية بموجب البرنامج الآتي:

1. تشخيص الحالة الروحية، والأخلاقية، والاجتماعية، والمعيشية، والخدمات الاجتماعية الراهنة بصورة شاملة وموضوعية. الأوراق التي كتبها الدارسون في هذه الورشة قرأتها كلها وهي مجهود كبير جدا ومهم جداً، والمهم فيه أن يتفق الناس بعد النقاش على تشخيص حالة أبا فيقولون إن المرض في أبا هو كذا وكذا، وما هو المرض الروحي والفكري والاجتماعي والأخلاقي والفقر ودرجته بتشخيص شامل لا يختلف عليه الناس، هذه الورشة لا بد أن تنتهي لهذا التشخيص الشامل، فلا علاج بدون معرفة المرض.

2. التقدم بمشروع اصلاحي تعليمي دون التفكير في السلم الحالي بل بصورة تحقق أهدافا تربوية، ومعرفية، ومهنية، تخرج طلبة أتقياء ومواطنين صالحين ومؤهلين للمهام الانتاجية.

3. ومشروع اصلاح صحي يوفر الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية على نطاق يتسع لكافة السكان.

4. تطوير دور المساجد على أساس مساجد المرافق التي تصلح للصلاة، والدراسة الدينية، ومحو الأمية، والأنشطة الاجتماعية، ومحو الأمية المهنية، وإيواء العجزة وقد عقدنا مؤتمراً في الأردن تحدثنا فيه عن هذا الموضوع واقترحت على الأخ الصادق المليح لبناء المسجد المقترح على هذا النموذج ليكون المسجد مسجد المرافق. كنا عقدنا مؤتمرا في الأردن حول دور المسجد وتطويره، وقد اقترحت للأخ الصادق الميلح وهو ينوى عمل مسجد هنا أن يكون المسجد الجديد على أساس هذا النموذج أي مسجد مرافق، وضروري أن نطور مساجدنا كلها مسجد الكون وغيره مساجد مرافق.

5. تكوين مكتبة عامة غنية بالمراجع المطلوبة للاطلاع.

6. بناء مركز للمناشط الرياضية.

7. هذا التكوين السكاني لا بد له من نهضة معيشية تقوم على أساس تحويل المشروع الزراعي للإنتاج البستاني، والحيواني، والسمكي، والدواجن، والتصنيع الزراعي، والتكثيف الغابي. بما يوظف كل سكان أبا ويوفر لهم المعيشة.

هذه هي الوسيلة الوحيدة للقضاء على البطالة والفقر ولكن هذه النهضة التنموية تتطلب الكفاءة الإدارية، والإرشاد الفني، والتمويل، والتسويق، كما تتطلب بنية تحتية لربط أجزاء الجزيرة أبا بالطرق، ولتوفير المياه والكهرباء اللازمة. وعلينا أن نحقق هذه الأشياء وندخلها في خططنا.

لقد اطلعت على الأوراق المعدة لهذه الورشة وهي جيدة وينبغي أن تثير مناقشات واسعة لتكتمل الصورة وعلى ضوئها توجه الدعوة لمؤتمر بعنوان: (رسالة أبا الجديدة) يدعى له أبناء وبنات الجزيرة أبا المهاجرين داخل وخارج السودان للمشاركة في تكوين الخطة الجديدة، والمشاركة في المهام التكنولوجية، والتمويلية. يحصى أبناء الجزيرة أبا هؤلاء ويرصدون، وترسل لهم توصيات ورشتنا هذه ونقول لهم نحن سوف ندعوكم لمؤتمر خاص بتطوير الجزيرة ابا ونتفق معهم على مواعيد للمؤتمر ويأتي ممثلوهم لهذا المؤتمر لأن هذا المؤتمر هو من يضع الخطة النهائية بعد أن يدرس توصيات هذه الورشة وتبقى توصيات الورشة عتبة لهذا المؤتمر للمؤتمر.

وأرى أن توصي هذه الورشة بالآتي:-

1. تكوين هيئة عامة لتشخيص حالة أبا وتطويرها على ضوء النقاشات.

2. تكليف الهيئة العامة بتكوين هيئات متخصصة في المجالات المختلفة: التعليم، الصحة التنمية…إلخ ليقدموا المشروع الذي سوف ينبني على توصيات الورشة وفي النهاية يقدم للمؤتمر الجامع الذي سوف ياتي بأهل أبا من جميع أنحاء السودان وخارجه.

3. تدعو الهيئة العامة للمؤتمر المنشود في فترة لا تتجاوز أربعة أشهر قابلة للزيادة. ولازم يأتوا ويشتركوا ويشعروا بأن لهم عود وواجب في تطوير الجزيرة أبا وهذا يشملنا كلنا ومثلما قال الحبيب إبراهيم الأمين كل الناس الذين لهم صلة وجدانية بأبا يشتركوا في بعث أبا الرسالية.

4. التزام بالتعاون مع الهيئة العامة بالعمل على رد حق أهل أبا في أراضها لهم نقضاً للقرار الجمهوري الصادر عام 1991م، لا بد أن نعمل على نقض هذا القرار ونقول إننا لا نعترف به لأن هذا القرار يعمل على إعادة تكوين سكان أبا عن طريق بيع الأراضي وهذا لابد أن يقف ولازم نحافظ على هذه الأراض لأهلها.

5. أراضي التزرعة، وهو ما يقودنا لموضوع أراضي قفا، لأن أصلاً أراضي قفا كانت أراضي المعيشة لأهل أبا، أراضي التزرعة غير مسجلة نعمل على مبدأ واضح وهو الترحيب بالاستثمار فنحن لسنا ضده مبدأ، ولكن نقول الشرط أن يسبق أي استصمار تعاقد مع أصحاب حقوق التزرعة. حاولوا أن يعملوا تناقضاً بين الناس، يسجلون للبعض وآخرين لا، هذا مرفوض نحن نعمل على تكوين مشترك نسميه تعاونية أبا، كل الناس الذين كانوا يزرعون ويشتغلون في قفا ومعيشتهم ومصلحتهم في قفا يكونون شخصية اعتبارية واحدة ويقولون الحقوق التي تتعلق بهذا حقوقنا جميعا لأنهم لو حالوا يسجلوا للبعض ويحرمون البعض فهذا يخلق تناقضاً بين الناس وتضيع المصلحة.

في المهدية تحول مفهوم ملكية الأرض لأساس: “الأرض لمن يزرعها” أي أن الملكية مقيدة. هذا هو المفهوم.

والأرض الآن في قفا غير مسجلة باسم إنسان ولكن هنالك من يعيش عليها، وهذا يتطلب إشراكهم في أي عملية استثمارية، قالوا المستثمر يعطي الناس نسبة مئوية هذه النسبة نحن من نحددها وليس هم. وإلا فهذا يؤدي لتشريد الناس في الريف وتدميره، والذي يحصل الآن أن تدمير الريف ريّف المدن، الآن الخرطوم تريّفت، وكثير من الناس بدلا عن أن يظلوا في مناطقهم يذهبون للمدن كوستي والخرطوم، ولا بد أن نضع مبدأ عاما وضعناه في وثائقنا أن الأرض ملك لأهلها وما دام فيها معيشتهم هم أصحاب الحق الأول. لأن التنمية وسيلة للإنسان لذلك الحق الأول هو للانسان وليس للتنمية وحقوق الإنسان في معيشته. وأهل قفا هم أصحاب الحقوق، ونعم للاستثمار بشروطنا وليس بشروطه ولا شروط الخرطوم أو أي شخص آخر، ونطالب بحقوقنا بصورة خالية من العنف لضمان مصالحنا فنحن من نحدد النسبة. الناس يقولون الأرض أرضنا ونحن سنقعد فيها ونعتصم فيها ولن نرفع يدنا على أحد لكن من يريد أن يعمرها يتفق معنا فنحن نوافق على مبدأ التعمير ولكن بشرطنا.

وآمل تناقش هذه التوصيات ضمن مناقشات ورشتكم ومنها نمشي للمؤتمر وبهذه الصورة نخلق إرادة جماعية لاسترداد دور أبا الرسالية.

 

والسلام عليكم و رحمة الله،،،

 

______________________________________________________

 

 

[1] الحج الآية (87)

[2] سورة الفرقان الاية (52)

[3] سورة الصف الآية (8)

 

___________________________________________________________

 

 

لمشاهدة الكلمة التي ألقاها الحبيب الإمام الرجاء اضغط هنا