كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي في إحتفالية ذكرى ثورة أكتوبر المجيدة

الإمام الصادق المهدي

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام على أم الثورات

القوة الناعمة

 

31/10/2015م

كانت ثورة أكتوبر 1964م علامة منيرة في طريق الإنجاز السياسي للشعب السوداني فما هي معالمها؟ وما هو الدرس المستفاد منها؟ وما هي علاقتها بالمحنة الوطنية التي تحيط بالوطن حالياً؟

 

أخواني وأخواتي. وأبنائي وبناتي_

إليكم قراءتي لألواح الوطن بمناسبة ذكر ثورة أكتوبر أسجلها في سبع نقاط. هي:

أولاً: مَلَكتُ بِحلمي فرصة ما استَرقَها       مِنَ الدَهرِ مَفتولُ الذِراعَينِ أَغلَبُ

(الشريف الرضي)

في القرن الماضي وقعت تحولات تاريخية كبرى قادتها قوى ناعمة. أهمها حركات الاستقلال الوطني من الامبريالية كما في الهند وفي السودان. والثورات الديمقراطية في أوربا الجنوبية كما في أسبانيا. والثورات الديمقراطية في المعسكر الشرقي سابقاً كما في بولندا. والثورات الديمقراطية في أمريكا اللاتينية كما في تشيلي. والتحول التاريخي الكبير كما في كوديسا جنوب أفريقيا.

وفي المنطفة “العربأفريقية” كانت ثورة أكتوبر أم الثورات الديمقراطية، تناسلت بعدها حفيدات على شاكلتها هي ثورات الربيع العربي.

ثانياً: إذا التَفَّ حَوْلَ الحقِّ قومٌ       فَإنّهُ يُصَرِّمُ أحْدَاثُ الزَّمانِ وَيُبْرِم

(أبو القاسم الشابي)

الربيع العربي الذي قال عنه سدنة النظم المنتهية صلاحيتها إنه مؤامرة، وكالوا له ما كالوا من اتهامات باطلة، كان تعبيراً صادقاً عن تطلعات شعوب قهرها الاستبداد والفساد. وفي كل حالات الانحراف عن أهداف الثورات كان السبب هو أن القهر قزم الاجتهاد الفكري والسياسي والتنظيمي والنقابي والمدني فظهر مع الحرية قصورها، وتقدمت الصفوف تنظيمات ذات شعبية عاطفية كبيرة. ولكن وعي سياسي متواضع. وفي كثير من الأحيان استيقظت عناصر الثورة المضادة التي أذهلتها المفاجأة حيناً وتحركت لتطفئ وهج الثورة. ولكن في تونس استطاعت القوة السياسية إنقاذ ما أمكن إنقاذه من ثمرات الربيع العربي.

ولكن مهما كان بأس الثورة المضادة فإن ثورات الربيع العربي وضعت مطالب الشعوب المشروعة في الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمطالب المعيشية، والكرامة في الأجندة الوطنية في كافة البلدان. ثورات الربيع العربي حتى إذا لم تحقق أهدافها فإنها حكمت بأمر الشعوب على كافة النظم الاستبدادية بالأفول. فصار يتنافس على مستقبل المنطقة في مكان النظم الآفلة أحد ثلاثة مصائر: مصير ديمقراطي يقفز إلى الأمام. أو مصير انكفائي يقفز إلى الوراء. أو فوضى تستدعي وصاية أجنبية.

ثالثاً: وكذلك نحن إذا ثرنا يوماً

أو قلنا نحن نريد

فابحث لسلاحك عن هدف آخر

هيهات.. هيهات يفيد..

(الهادي آدم )

مدرسة ثورة أكتوبر السودانية ربيع سبق الربيع العربي جرت أحداثه عبر الرباعية الآتية:

  • موقف رفض شعبي قاده الإمام الصديق ووقفت معه القوى الوطنية بكافة أطيافها، ما تراكم تعبئة فكرية، وشعبية، وطلابية، ونقابية جردت النظام من الشرعية وعزلته.
  • انتفاضة جنوبية مسلحة أثارتها سياسيات خاطئة استنزفت قوات الأمن ودعمت موضوعياً الحركة الشعبية الديمقراطية.
  • تناول علني للموقف السياسي ضاق به النظام ذرعاً فتصدى له بالقمع ما أدى لموكب الهيئات المدعوم سياسياً والذي انتهى إلى إضراب عام ومظاهرات.
  • حكام عقلاء شهدوا دلائل الإرادة الشعبية الكاسحة، وقرأوا الكتابة على حائط المستقبل وقرروا الاستجابة للمطالب المشروعة. استجابة تلقفتها قيادة سياسية ونقابية حكيمة فالتقى التعقل، بالحكمة ما حقق ثمار ثورة أكتوبر.

هكذا كانت تجربة ثورة أكتوبر 1964م التي حققت للعطاء السوداني الرباعية الذهبية الآتية:

  • أن الحكم الذي يصادر إرادة الشعب مهما طال عمره إلى زوال لأنه يناقض مطالب الحرية، والعدالة، والكرامة.
  • أن الظلم الذي يلحق بمجموعات وطنية في حقوق انتمائها المورثة ديني، أو ثقافي، أو اثني، وفي حقوقها الخدمية الاجتماعية إذا لم يخاطب بالجدية اللازمة يؤدي لاحتجاجات مطلبية ثم مسلحة.
  • أن القوى المدنية العزلاء السياسية والنقابية والطالبية إذا صممت على مطالبها المشروعة فإنها سوف تحققها.
  • أن مؤسسة القوات المسلحة مهما وظفت حزبياً تشدها ضوابط مهنية فتنحاز لشبعها لا لجلاديه.

رابعاً: أعاذلتي مهلاً إذا ما تأخرت قوافلنا حتماً فسوف تعود

(صالح عبد القادر)

نظام “الإنقاذ” المسمى على غير فعله ارتكب من المظالم ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة. فما الذي عطل تفعيل الرباعية الذهيبة التي صنعتها ثورة 21 أكتوبر في السودان؟

حال دون هذا التفعيل المعوقات الأربعة الآتي بيانها:

  • سلطة انقلاب يونيو 1989م أقامت منذ بدايتها تدابير احتياط ضد مقومات الانتفاضة: اختراق الأحزاب، وتدجين النقابات، وتكبيل الحركة الطالبية، واختراق القوات المسلحة.
  • تدابير البقاء التي حرص عليها النظام أفلحت في إجهاض عوامل الانتفاضة المدنية ما أدى لتحويل الاحتجاج والاعتراض لأنشطة مسلحة، فانتشرت ثقافة العنف بصورة غير مسبوقة. أنشطة صرفت كثيرين من الحركة المدنية إلى حركات مسلحة.
  • حرص النظام على تقسيم الحركة العريضة ضده بإبرام اتفاقية ثنائية مع الحركة الشعبية على حساب كثير من المصالح الوطنية. المهم في نظره وقف الحرب في الجبهة الجنوبية والحصول على مباركة دولية.
  • الإسراف في التدابير العسكرية والأمنية رغم شعار اتفاقية السلام الشامل، لأنه لم يكن شاملاً إلا اسماً، أدى إلى الصرف العسكري والأمني أضعافاً مضاعفة، استنزفت النظام مالياً بحجم الصرف عليها في يوم ما يساوي دخل الحكومة في شهر.

خامساً: وَدَعوى القَوِيِّ كَدَعوى السِباعِ     مِنَ النابِ وَالظُفرِ بُرهانُها

(أبو الطيب المتنبي)

كثير من قادة النظام الذين بقوا داخل النظام، والذين خرجوا عليه أجمعوا على أن النظام قد فقد صلاحيته للبقاء. ورغم ذلك فإن أصحاب القرار أكدوا في هبة سبتمبر 2013م أنهم على استعداد أن يطبقوا خطة بشار سوريا وتحويل أية احتجاجات إلى مجازر.

سادساً: ولا بد من ورد لظما تطاولت ليالي سراها واحتواها البيد

(صالح عبد القادر)

الاعتصامات والمواكب مهما كشر النظام أنيابه عندما تتوافر كتلة حرجة معينة واردة. ولكن عبقرية شعبنا أصابت النظام بأسلحة مدنية لا تطولها أجهزة القمع أهمها:

  • إقامة توازن قوى جديد أزال تباعداً بين المركز والهامش وبين القوى المدنية والمسلحة وبين القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني جبهة عريضة مهما كانت الاختلافات الفكرية بينها فإنها تمثل جبهة عريضة متمسكة بمطالب الشعب المشروعة.
  • عمل منظم حول انتخابات أبريل 2015م من نصرة للنظام إلى عزلة كشفت ظهره تماماً.
  • عزل النظام أفريقياً عن طريق تأييد مجلس السلم والأمن الأفريقي لمطلب قوى المستقبل الوطني كما جاء في القرار (539).
  • منازلة النظام حول اجتماع العاشر من أكتوبر وتجريده من أية قيمة مضافة وإبراز حجم الرفض له.

هذه العوامل الأربعة إنما هي انتفاضة بوسائل جديدة لا ينقصها من تحقيق مقاصدها إلا أن يتقمص المشير البشير دور الفريق عبود في أكتوبر 1964م أو أن تتقمص القوات المسلحة السودانية دور أسلافها في رجب/ أبريل 1985م.

وبهذه المناسبة أقول: هنالك أمور شغلت الناس أهمها التساؤل عن إمكانية ثورة على سنة أكتوبر 1964م.

ليس في السودان وحده، ولكن في كل المنطقة العربية يوجد احتقان فكري وسياسي واجتماعي تستغله الآن حركات الغلو والتطرف التي لم تعد تحصر نفسها في تهديد نظام الدولة الوطنية، ولكن تعمل من أجل الإطاحة بها واستبدالها بنظام حكم على نمط الخلافة التاريخية، بصورة خالية من نهج التدبر الإسلامي، ومن مراعاة الواقع المعاصر. هذه المغامرة الحيلولة دونها عن طريق تسوية تاريخية تتجدد عن طريقها النظم فتزيل الاحتقان بقفزة تاريخية إلى الأمام، أو إذا تقاعست سوف تتجدد ثورة الربيع العربي بصورة جديدة وشاملة.

وفي السودان هذه الاحتمالات أولى حدوثها. وفي كل الحالات حوار باستحقاقاته يماثل الكوديسا أو الربيع العربي متجدداً.

مهما كان بين فصائل نداء السودان من تباين في وجهات النظر فالهدف الجامع لنا جميعاً واحد، وهو حوار جامع باستحقاقاته أو انتفاضة شعبية سلمية، ومن أجل مواصلة النجاحات التي حققناها لمصلحة شعبنا العظيم فإننا في لقائنا المقبل سوف نحسم المسائل التنظيمية، ونحدد ميثاق المستقبل، ونلتزم بخريطة الطريق لتحقيقه، ونرحب بكل الذين يتطلعون للمشاركة في تحرير الوطن وبنائه.

وتكرر السؤال عن عودتي للوطن. عودة ربطتها بثلاث مناسبات، هي:

  • مناسبة لقاء جامع لقوى المستقبل الوطني تقرر أن يعقد في منتصف نوفمبر ونأمل أن يتمكن هذا اللقاء من الاتفاق على المستقبل والطريق إليه، والهيكل الذي ينسق العمل المشترك.
  • مناسبة مؤتمر طرح نداء لاستنهاض الأمة العربية الإسلاميية. هذا انتهى ولم يبق إلا تكوين مجلس حكماء ليرافع من أجله. هذا لا يتطلب بقائي في خارج الوطن.
  • مناسبة مؤتمر دولي تحت ظل نادي مدريد لتناول قضايا اضطراب منطقتنا والدور الدولي في تأجيج الأزمات، والدور الدولي المنشود في احتوائها، هذا المؤتمر عقد فعلا في مدريد وانتهى في 29/10، وسوف تتجه الدعوة للمرافعة من أجلها. هذا معناه أنه بمنتصف نوفمبر سأكون مستعداً للعودة للوطن، وسوف يكون التوقيت الفعلي خاضعاً لشورى حزب الأمة والزملاء في إعلان باريس ونداء السودان، بل كافة الذين ينضمون لهذا الركب الوطني لأن موعد عودتي للوطن تهمهم جميعاً وتهمني مشاركتهم.

سابعاً: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[1].

في عيد الأضحى الماضي وجهت نداءاً للمشير البشير تجاوب معه. ومع أنه رغم ذلك دعا لاجتماع العاشر من أكتوبر الناقص فإنه قال فيه حديثاً أقرب إلى عبود منه إلى النميري. إذا صح هذا الفهم فإن التقاء التعقل والحكمة من أجل السلام، والحرية، والعدالة، ممكن على الأساس الآتي:

أولاً: إن يتمخض حوار العاشر من أكتوبر عن برنامج يرونه للمستقبل الوطني يضم رؤية النظام وحلفائه وتفوض جماعة منهم تفويضاً حقيقياً للحوار مع قوى المستقبل الوطني.

ثانياُ: أن تقوم الهيئة الأفريقية الرفيعة بتوجيه الدعوة بموجب القرار الأفريقي رقم (539) قبل نهاية التسعين يوماً في دار الاتحاد الأفريقي. اجتماع يضم ممثلي الطرفين من أهل السودان. وهما النظام وحلفاؤه وقوى المستقبل الوطني. اجتماع أجندته:

(‌أ) بحث وإجازة إجراءات بناء الثقة.

(‌ب) ترتيب لقاء فني بين أطراف الاقتتال لبحث أجندة وقف الحرب.

(‌ج) وضع خريطة طريق الاتفاقية سلام عادل وشامل ومشروع حوكمة ديمقراطية للبلاد.

(‌د) الالتزام بعقد لقاء جامع داخل الوطن لإبرام اتفاقية السلام والحوكمة المنشودة.

هذه خطة انتفاضة بالضغط السياسي سوف تحقق حتماً للسودان منافع كثيرة: السلام، التحول الديمقراطي، وتطبيع العلاقة مع الأسرة الدولية بخصوص قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

هذه فرصة تاريخية لزواج التعقل والحكمة من أجل الدين والوطن.

فرصة لو فاتت بلادنا تعرضها لمخاطر أهمها:

  • أن يدفع الاحتقان إلى مواجهات ومع انتشار السلاح بلا حدود تقع البلاد في السيناريو السوري.
  • أو أن الاحتقان يفتح باب مغامرات مدججة بالسلاح وتنقصها الحكمة فتدخل البلاد في سيناريو الكل ضد الكل- السيناريو الليبي.

في ذكرى أكتوبر يقف أمامنا طريقان شتى مستقيم وأعوج.

اللهم أحفظ السودان وخذ بيد أهله فإنهم شهدوا أهوالاً يشيب لها رأس الوليد.

_______________________________________________

[1] سورة هود الآية (117)