الأمم المتحدة والحكومة السودانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الأمم المتحدة والحكومة السودانية

16 يوليو 2006م

 

التحق السودان منذ استقلاله بعضوية الأمم المتحدة ووقع على مواثيقها وشارك بفعالية في منظماتها المتخصصة وساهم بحماسة في بعثاتها لحفظ السلام في بعض البلدان تحت الفصل السابع من ميثاقها.

ومهما تقلبت ظروف السودان عبر الانقلابات العسكرية والحرب الأهلية في نصف القرن الماضي، لم يصدر قرار بموجب الفصل السابع بشأن السودان ولم يرسل لأرضه جندي واحد تحت أي مسمى من مسميات الأمم المتحدة.

ولكن منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي ومنذ بداية القرن الواحد وعشرين صارت حكومة السودان هدفا لنحو عشرين قرار من مجلس الأمن أغلبها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وصارت البلاد مكانا لاستقبال قوات أممية في  الخرطوم والجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق وكسلا كجزء من اتفاقية سلام الجنوب. وفي مايو من عام 2006م وبعد التوقيع على اتفاقية سلام دارفور في أبوجا صدر قرار بإجماع مجلس الأمن لإسناد مهام القوات الإفريقية في درافور للأمم المتحدة (القرار رقم 1679) وذلك بعد إعلان مجلس السلم والأمن الإفريقي عن عجز القوات الأفريقية في القيام بالمهام المطلوبة.

لا أحد يحب تدخل مجلس الأمن ولا حتى مجلس السلم والأمن الإفريقي، ولو كانت الحكومة تستمع للرأي وتجعل نا نصوغ حلولنا الوطنية لما وجد داع لذلك، ولكن مع رفضها التعاون مع كل المقترحات الوطنية، فإن المواقف أمام قرار مجلس الأمن تفرق فقط بين من يعلي أمن إنسان دارفور ومن يركز على أمن الذين ارتكبوا الجرائم في درافور. بعض المسئولين في حكومة السودان وصفوا قرار مجلس الأمن بأنه غزو للبلاد وخونوا من أيده وقارنوا بينه وبين الغزو الأمريكي للعراق وأشعلوا نيران “الزنوفوبيا” أمام القوات الدولية كغزو أمريكي للسودان.

الولايات المتحدة لم تكن راضية عن حكومات السودان في كثير من محطات التاريخ الحديث، فحينما انحاز انقلاب 25/6/1969م للمعسكر الشرقي عاقبته وحلفاؤها بقطع المعونات وتقديم مساعدات عن طريق إسرائيل لحركة أنيانيا الأولى، وحينما أوقفت حكومة الديمقراطية الثالثة ترحيل الفلاشا إلى إسرائيل جففت المعونات التي كانت ترسلها لنظام نميري ونقلت السفارة لبعض الوقت إلى نيروبي، وحينما غضبت من نهج حكومة الإنقاذ الإسلاموي المتحمس في سنواتها الأولى عاقبتها بدعوة الفصائل الجنوبية إلى واشنطون للاتفاق على مطلب تقرير المصير للجنوب، ووضعتها في قائمة الدول التي ترعى الإرهاب.. ولكن مهما كان غضب أمريكا ومهما أنزلت من عقوبات فإنها لم تستطع إصدار أية قرارات دولية مضادة.

إن للولايات المتحدة نفوذا على الأمم المتحدة بالضغط على الأعضاء وبممارسة حق النقض لرفض قرارات مجلس الأمن التي تعارضها، ولكنها لا تستطيع إصدار قرار من مجلس الأمن إلا إذا أيدته أغلبية المجلس بمن فيهم الدول الخمس دائمة العضوية. أما في الجمعية العمومية للأمم المتحدة فإن موقف الولايات المتحدة يصاب في كثير من الأحيان بالرفض والإدانة. لذلك يوجد تيار عريض في أمريكا غير راض عن الأمم المتحدة ويعبر عن سخطه بالامتناع عن دفع الاشتراك في ميزانية المنظمة الدولية.

بصرف النظر عن قرارات الجميعة العمومية ولجنة حقوق الإنسان، فإن أول قرار مضاد اتخذه مجلس الأمن كان القرار 1044 بموجب شكوى من إثيوبيا بسبب الدور السوداني في محاولة اغتيال الرئيس المصري في أراضيها في يونيو 1995م، أعقبه القراران 1054 و1070. ومنذ عام 2004م تتالت قرارات مجلس الأمن بشأن السودان، كالقرارات: 1556 (يوليو2004) الذي أوكل حفظ السلام في دارفور لقوات الاتحاد الأفريقي، و1564 (سبتمبر2004) لتقصي الحقائق بشأن الجرائم في دارفور، والقرارات 1590 لإنشاء بعثة للأمم المتحدة في السودان ضمانا لاتفاقية سلام الجنوب، و1591 لمعاقبة تعديات الأطراف في دارفور، و1593 لإحالة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور للمحكمة الجزائية الدولية (في مارس 2005)، وأخيرا القرار 1679 لتحويل مهمة الاتحاد الأفريقي للأمم المتحدة.

نتيجة لهذه القرارات صار للأمم المتحدة وجود فعلي في أنحاء السودان المختلفة وصارت الأمم المتحدة جزءا لا يتجزأ من اتفاقيات السلام السودانية كضامن ومراقب وشريك، وأي موقف عدائي من الأمم المتحدة يهدم هذه البناءات.

إن مهام قوات الاتحاد الأفريقي في دارفور هي مراقبة وقف إطلاق النار ورصد الانتهاكات وحماية المدنيين والإغاثات الإنسانية وحماية النازحين وتأمين عودتهم الطوعية. هذه المهام بطبيعة الحال لا تستطيع الحكومة السودانية أن تقوم بها لأنها طرف في النزاع، وفي مايو 2006م أضاف اتفاق سلام دارفور مهاما إجرائية، وقد أعلن الاتحاد الأفريقي في مارس 2006م عجزه عن القيام بتلك المهام وتحويلها للأمم المتحدة. ومنذ التوقيع على اتفاق أبوجا زادت الحالة الإنسانية والأمنية في دارفور اضطرابا وانفلاتا في خرق وقف إطلاق النار من كافة الأطراف، وعدوان على معسكرات النازحين، واقتتال بين الفصائل المسلحة، واقتتال خارج الحدود الولائية، واقتتال بالوكالة عبر الحدود الدولية، وانسحاب منظمات إغاثة إنسانية بسبب الحالة الأمنية.. هذا التدهور الأمني والإنساني يزيد اتساعا وعمقا والأمم المتحدة بموجب ميثاقها ملزمة بالتصدي له.

هذا التصدي ليس غزوا لأنه بموجب معاهدات ومواثيق السودان طرف فيها ولأنه امتداد لدور أممي قائم في السودان بالفعل، ولأن السودان نفسه اشترك في مهام مماثلة لحفظ السلام، فالأمم المتحدة تقوم بها في أكثر من ثلاثين دولة في أفريقيا وآسيا والعالم العربي وأمريكا الجنوبية وأوربا.

ولا معنى “لعنتريات” المقاومة للأسباب الآتية:

  • بعثة مجلس الأمن استمعت لأهل دارفور المعنيين بالحماية الدولية فطالبوا بها.
  • شركاء المؤتمر الوطني بموجب اتفاقيتي السلام أعلنوا موافقتهم على القرار الدولي.
  • القوى السياسية والمدنية السودانية تفهمت الضرورة في ظل التفريط الحكومي واستمع لها مجلس الأمن.
  • الأمم المتحدة لن تفرض الأمن بالقوة العسكرية بل بوسائل أخرى مثل الحصار الدبلوماسي والاقتصادي.

الاحتجاج بالغزو والتوعد بالمقاومة في هذه الظروف استهتار بالمصلحة الوطنية واستخفاف بالعقول. نعم هناك أساس لتحفظات موضوعية توجب ضبط مهام الأمم المتحدة في دارفور واستبعاد الدول ذات الأجندات الخفية والحرص على حيدة الدول المشاركة.

نعم الأفضل للوطن أن يحل مشاكله دون الحاجة لقوات دولية، ولكن سياسات النظام السوداني خلقت المآسي الإنسانية، ووسعت فجوة الثقة بين المواطنين، وأقصت الرأي الوطني مفضلة التدخل الإقليمي طالبة وساطة الإيقاد التي جرت أصدقاءه ثم شركاءه ثم الأسرة الدولية.. النظام السوداني هو الذي جاء بكل هذا التدويل، واستمر متملصا من أعبائه ومن متطلبات الإجماع الوطني التي تغلق أبواب التدخلات الأجنبية، فوصلنا إلى مأساة صار معها تحقيق أمن وسلامة إنسان دارفور أولوية تضعف أمامها الحسابات الأخرى.