رسالة الاثنين (السابعة عشر) 19 نوفمبر 2018م

الرسالة السابعة عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة الاثنين (السابعة عشر)

الإمام الصادق المهدي

19 نوفمبر 2018م – لندن

 

أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي

السلام عليكم، وبعد-

 

بعض الناس يهزأ بالحديث عن الحل السلمي لأزمة الوطن ويصوره نوعاً من الثقة في نوايا النظام.

هذا فهم قاصر. العمل من أجل حل لأزمة الوطن ينطلق من أن للعنف مضار كثيرة. إنه يمنح النظام مبرراً لمزيد من القهر. ومع واقع البلاد الحالي حتى إذا نجح فإنه يفتح باباً لمزيد من الاقتتال، وفي الوضع الدولي الحالي فهو يفقدنا تعاطفاً دولياً.

الحل السلمي لا يعتمد على حسن نوايا النظام، بل على كشف أخطائه والتصدي له بكل الوسائل الخالية من العنف كالاعتصام، والاضراب، والعصيان المدني، وسائر الوسائل التي نسميها الجهاد المدني. وهو أسلوب ناجع نجح في ثورتي الربيع السوداني المعروفتين وفي ثورات الربيع العربي.

وربما ولدت إخفاقات النظم والضغط الشعبي والدولي حالات حققت الانتقال من الحرب للسلام ومن الدكتاتورية للديمقراطية كما حدث في كوديسا جنوب أفريقيا، وفي أحداث أخرى أدت الضغوط إلى استفتاء أدى لإنهاء الدكتاتورية كما حدث في صربيا عام 2000م، وفي تجارب أخرى أدت الضغوط لانتخابات نزيهة أدت للتحول الديمقراطي كما في تشيلي، وفي أسبانيا، وفي جزر المالديف… بل باحث مصري درس حركات التحول ما بين 1900- 2006م ووجد أن النضال السلمي كان الأنجح في تحقيق هذا التحول. كما أن دراسة راند (Rand) تناولت 684 حركة مسلحة ما بين 1983- 2008م، ووجدت أنها جميعاً انتهت عبر حوار إلى حل سياسي.

نعود للمشهد الوطني فنقول النظام الذي كونه انقلاب 1989م واجه منذ بدايته معارضة إسلامية، وديمقراطية، ووطنية، ومعارضة مسلحة.

المعارضة المسلحة أدت إلى اتفاقية نيفاشا، ولكن تطبيق الاتفاقية الناقص ترك الحركة الشعبية شمال المعترف بها ضمن اتفاقية السلام معلقة هي ومكونها المسلح، ما أدى لحرب المنطقتين.

وفي دارفور أدت سياسة النظام إلى تنظيمات أشعلت عملاً مسلحاً حاول النظام احتواءه باتفاقات سلام في أبوجا وفي الدوحة وغيرهما، ولكن رفض الاستجابة للاستحقاقات المطلوبة.

إذن وجود تكوينات مسلحة في المعارضة نتيجة مباشرة لأخطاء النظام.

هذه المعارضة المسلحة ما زالت موجودة، ولأنها صاحبة قضية، ولأنها امتنعت عن أية وسائل إرهابية حظيت باعتراف دولي، وأفريقي، وأوربي.

ومع احتفاظها بقدراتها المسلحة، فالذين لبوا نداء السودان منها ما زالوا يستجيبون لكل مبادرة سلام كما كان في اتفاق مالك/ نافع، وفي التوقيع على خريطة الطريق 2006م.  وفي هذه الأيام تلبية دعوات تصالحية في برلين، وفي جوبا، وفي الدوحة، و في أديس أبابا، وهم يؤيدون نداء السودان الهادف لنظام جديد يحقق السلام العادل والتحول الديمقراطي الشامل بوسائل سلمية. يؤيدون النداء ويعترفون أن النداء مبرأ من تكوينهم ونشاطهم المسلح.

هنالك إشارات من النظام لحلول سلمية يقوم بها مناديب للنظام في اتصالات عديدة معنا.

لا يمكن أن يتمكن النظام من حل المشكلة الاقتصادية ما لم يحقق سلاماً عادلاً شاملاً يمكنه من الخفض في الإنفاق المطلوب للإصلاح. ولا يمكن أن يتحقق استقراراً في البلاد ما لم يتحقق تحول ديمقراطي. ولن يُقبل السودان في النظام الدولي ما لم تتحقق كفالة الحريات العامة وحقوق الإنسان.

إذا أراد النظام أن يحدث اختراقاً حقيقياً وعبوراً نحو سودان السلام والاستقرار ما عليه إلا الإقدام على الآتي:

أولاً: بالنسبة للمنطقتين الالتزام بفيدرالية حقيقية تحقق ذاتية الإدارة. والالتزام بنصيب في السلطة والثروة بحجم السكان. والالتزام بتوفيق أوضاع قواتهم ضمن قوات البلاد القومية.

ثانياً: بالنسبة للسلام في دارفور: الالتزام برد حقوق الحواكير لأهلها، والالتزام بعودة النازحين الطوعية لمناطقهم، والالتزام بتعويضات فردية وجماعية للنازحين واللاجئين، والالتزام بنصيبهم في الثروة والسلطة بحجم السكان، وتوفيق المكونات المسلحة  ضمن القوات المسلحة.

ثالثاً: بالنسبة للحقوق السياسية كفالة الحريات وحقوق الإنسان، والمساواة في المواطنة.

وبالنسبة للشعار الإسلامي أن يكون على أساس اجتهاد جديد يراعي التوفيق بين الأصل والعصر، وتكفل حقوق المواطنة للكافة، ويكون بموجب الآلية الديمقراطية.

رابعاً: الدستور الحالي يعتمد كمرجعية ويراعي إدخال التعديلات المذكورة فيه.

خامساً: الانتخابات وسيلة صحيحة للحوكمة الرشيدة، على أن تديرها مفوضية قومية بموجب قانون متفق عليه، وضوابط متفق عليها لضمان نزاهتها.

سادساً: ظروف البلاد المتردية تستوجب اتخاذ خطوة واسعة للأمام. هذه الرؤية المذكورة هنا تحققها، ولبحث التوافق عليها وتفاصيلها فإن الآلية الأفريقية الرفيعة هي الآلية المناسبة وهي الآن تستعد لدعوة الأطراف المعنية في أديس أبابا عاصمة التوافق الأفريقي.

ويجب أن تكون الخطوة الأولى اتفاق بين المكونات المسلحة على وقف مستمر لإطلاق النار،  وانسياب مستمر للإغاثات الإنسانية، والتزام النظام بإجراءات المناخ المناسب للحوار الوطني الجامع باستحقاقاته.

سابعاً: إن في النفوس ما فيها من تظلمات وغبائن حول أحداث منذ عام 1956م، عام الاستقلال. يتفق على تكوين مفوضية قومية للحقيقة والمساءلة للعدالة الانتقالية.

ثامناً و أخيراً: لتقدم كل الأطراف على كلمة سواء تخرج البلاد من الظلمات إلى النور.

هذا السمو الوطني ليس غريباً على أهل السودان، بل الغريب عليهم عدم الاستجابة لاستحقاقاته.

 

والله ولي التوفيق.