كلمة الإمام الصادق المهدي: وقفة مع الذات لعامٍ مضى وعامٍ آت

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرى ميلاد

وقفة مع الذات لعام مضى 2017م وعام آت 2018م

 

25/12/2017م

 

مقدمة :

الاحتفال بذكرى الميلاد ممارسة تَرَفية. وبالغة الطبقية فهي ممارسة برجوازية.

في فترة طفولتنا لم تكن هذه الممارسة معهودة.

أمي وهي من قانتات النساء على سنة مريم، وآسيا، وخديجة، وفاطمة، ورابعة رضى الله عنهن شدتها أربعة عوامل هي:

  • موافقة اليوم لعيدين إسلامي ومسيحي.
  • مقولة الإمام عبد الرحمن لها عن يمامة استقرت في عمامته حيناً ما عده نبأ.
  • أنه لم يسمني عليه بل أهداني أحد أسمائه: الصادق.
  • قوله لها يوم عيد في حضرتي يارحمة دة الولد البسد فرقتي.

لهذه الخصوصية رأت الوالدة ان تحتفل بيوم ميلادي.

وبعد انتقالها إلى الرفيق الأعلى نسينا هذا التقليد، ولكن فيما بعد قررت أسرتي ومكتبي إحياء سنتها كأنه ذكرى للميلاد وذكرى لها:

وَسُنَّةُ اللهِ في الأحبَابِ أَنَّ لَهُم        وَجْهَاً يَزِيدُ وُضُوحَاً كُلَّمَا اْبْتَعَدَا

وفي السنوات الأخيرة صار مكتبي يتجاوز الاحتفالية المعتادة بالتركيز على معنى متعلق بأفكاري أو مجهوداتي، وهذا العام أخبروني بأنهم يحتفلون بتدشين موقعي على الإنترنت. الحقيقة إن اهتمام كياننا بالتوثيق قديم ولذلك خلفت المهدية على قصر مدتها الزمانية وثائق وكتابات ومنشورات تفوق ما كان قبلها في ممالك عاشت قروناً. وحرص التيار الوطني الاستقلالي على نشر وثائقه في مختلف المراحل. وقد قمتُ منذ شبابي بجمع مذكرات جدي الإمام عبد الرحمن في كتاب (جهاد في سبيل الاستقلال) وسلمني كتاب أخيه السيد علي المهدي المؤرخ للمهدية فاستعنتُ بالحبيب عبد الله محمد أحمد لتحريره وإخراجه بعنوان (جهاد في سبيل الله)، وأخرجتُ وثائق تصدي والدي الإمام الصديق للديكتاتورية في كتاب (جهاد في سبيل الديمقراطية). هذا الحرص على التوثيق والرصد إذن هو جزء من ثقافتنا في التصدي للعمل العام. وأقدر للجمعية السودانية للمعرفة اهتمامها بذلك وإسداء الرأي، كما أشكر كل من يشارك اليوم معلقاً أو مطوراً لهذا الجهد الذي أتمنى أن يعم كافة المفكرين والعاملين في السياسة في بلدنا وإقليمنا، كما أرجو أن يحرص مكتبي على تطوير الموقع استفادة من الملاحظات والإضافات التي يقدمها المختصون.

ومع شكري لمنظمي هذه المناسبة رأيت أن أمحو برجوازية المناسبة وأن أجعلها وقفة مع الذات لعام مضى وعام آتٍ وما في ذلك من محمدة النفس اللوامة والتحدث بنعمة الله.

أبدأ بذكر عيوب أذكرها فيما بعد:

  • بنو آدم خطأوون ومن يزعم غير ذلك ليس بآدمي ولكن عزائي أن جل أخطائي من النوع الذي يؤذي صاحبه ولا يؤذي الناس من باب مقولة النبي: “خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا مِنَ الشَّرِّ شَيْ‏ءٌ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والضَّرُّ لِعِبَادِ اللَّهِ”. وعلى أية حال فإن الله أعطانا لا كرسي اعتراف كما لدى الكاثوليك ولكن: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِۚ)[1].
  • عيب آخر مهم هو أن التكاليف الاجتماعية في السودان مع أهميتها في بناء النسيج الاجتماعي فإن ما تحتل من وقت صار عبئاً كبيراً على مسئولياتي.
  • وعيب كبير هو أنني أطلع بمهام جسيمة ولكنني على طول العام لم أفلح في تدبير المال اللازم. صحيح أن النظام الحاكم اجتهد في تجفيف مصادرنا ولكن العمل العام مع الفلس يتعثر.
  • منذ فترة من الزمن اقتنعت بأن كتب سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم الموجودة في الغالب وقد درست مائة مرجع مجافية للحقيقة في أمور كثيرة أهمها مفردات تتناقض مع بشريته. وأخرى تجعل أسلوب دعوته الغالب المغازي، لذلك قررت أن أكتب سيرة لمحمد رسول الانسانية. ولكنني في هذا العام لم أتقدم شبراً في هذا المجال.
  • كنت في مراحل ماضية أحرص على عقد حلقات أسبوعية لشباب أبناء وبنات لأتيح لهم تدريباً فكرياً مباشراً، تقليد كان له فائدة عظيمة ولكنه هذا العام توقف.
  • أسرتنا بالتعريف الصحيح لها هي ذرية سبعة رجال هم: الإمام المهدي، وخلفاؤه الثلاثة، وأخويه، والأمير يعقوب. أسرة صارت الآن عشيرة لم أستطع الاهتمام بها بالقدر الكافي. صحيح أن بعضهم يتجنبني لكيلا يثير حفيظة أمن النظام، ولكن اجتهادي في هذا المجال قليل.
  • على طول حياتي حتى في ظروف السجن كنت أحرص على وجود علاقة بيني وبين الخيل:

وَما الخَيلُ إلاّ كالصّديقِ قَليلَةٌ             وَإنْ كَثُرَتْ في عَينِ مَن لا يجرّبُ

ومن لم يُشاهِدْ غَيرَ حُسنِ شِياتِهَا        وَأبدانِهَا فالحُسْنُ عَنهَ مُغَيَّبُ

هذه العلاقة الآن انقطعت وإن واصلها أبنائي، ولكن الخيل كالذرية تتطلب المباشرة.

  • صارت حياتي الخاصة جدباء، صحيح عندي شركاء وأعوان وأولاد لو تمنيت لن أتمنى غيرهم. ولكن صارت حياتي الخاصة متصحرة.
  • وعلى الصعيد العام فإن من اسوأ العيوب انشقاق الحركة الشعبية الشمالية، صار هؤلاء منذ إعلان باريس في أغسطس 2014م ثم نداء السودان في سبتمبر من نفس العام حلفاء نشكل معاً توازن قوى جديد من شأنه أن يقضي على جدلية المركز والهامش، وأن يوفق جدلية الدين والدولة، وجدلية العروبة والزنوجة.

هذا رأسمال سياسي للوطن، لا سيما وقد اتفق على التخلي عن تحقيق الأهداف بالقوة وعن مطلب تقرير المصير، على أن يحصر تحقيق الأهداف في حوار باستحقاقاته أو الانتفاضة الشعبية الثالثة.

الانشقاق مؤسف ولكنه لا يمنع أن تكون الجماعتان في نداء السودان، وأن يدعما مبدأً واحداً وإن اختلفا تنظيمياً. المهم أن يلتزم الطرفان بثلاثة مبادئ:

  • الالتزام بنداء السودان حتى إذا لزمت تعديلات بالتراضي.
  • تجنب أية أعمال عدائية عسكرية لحسم خلافات سياسية.
  • تجنب أن يستغل النظام أو القوى الخارجية الخلافات لصالحهم.

لن يهدأ لنا بال حتى نحقق هذه الأهداف.

ولكن العام لم يكن كبيساً ففيه إيجابيات مهمة أذكرها فيما يلي:

أولاً: عدنا للوطن وشهدنا استقبالاً كثير الأعداد وكثير الحماسة من باب واحد كألف.

وبعد العودة اندفعنا في أنشطة فكرية وسياسية وتعبوية شملت زيارات حاشدة لست ولايات كانت استقبالاتها ومخاطباتها أذان تنبيه لمن ظنوا أن النظام قد دمر قواعدنا بل تأكد:

كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ       ثمّ انتَفَضْتُ فزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ

أنشطتنا  أقامت شرعية شعبية موازية في وقت فيه الشرعية الرسمية ترنحت وكثر الخارجون عليها حتى لجأت لحماية مليشياوية مهما ألبسوها مكياجاً نظامياً. بل حاجة النظام للحماية من قواعد جديدة عليه جعلته يجر تناقضات دارفور إلى الخرطوم، ونفس الحاجة ألجأت النظام لاستجداء حماية خارجية إذا نجحت فإنها سوف تجر للبلاد لهيب الحرب الباردة المتجددة.

ثانياً: أثناء هذا العام قمت باثني عشر زيارة خارجية بمعدل زيارة كل شهر، شملت الزيارات بلاد أوربية، وعربية، وآسيوية، وأفريقية. ولكن اعتذرت عن زيارتين كانتا متوقعتين: اعتذرت عن زيارة أمريكا لأن الرئيس الأمريكي فرض علينا عقوبة جماعية: سوداني أي مجرم، لا لست مستعداً للدخول في هذه الصورة، لذلك اعتذرت، واعتذرت عن زيارة للصين لأنها تناقضت مع اجتماع المجلس العربي للمياه، كانا في نفس الوقت وفضلتُ الذهاب لاجتماع المجلس العربي للمياه.

وفي هذه المنابر الخارجية قدمنا أطروحات حول:

  • مستقبل نداء السودان.
  • حل أزمة الشرق الأوسط.
  • الإسلام والتحديات المعاصرة.
  • مواجهة ظاهرتي التطرف والإرهاب.
  • السنة النبوية ودورها في تعزيز فكر الوسطية.
  • فلسطين بين وعد بلفور والوعد الإلهي.
  • قراءات لعطاء العلامة محمد إقبال. وهو من أهم المفكرين الهنود.
  • المياه العربية على ضوء أن الشراكة في المياه شراكة في المصير.

ونتيجة للمساهمة في المؤتمرات التي تناولت هذه المواضيع فقد وجدت أطروحاتنا إقبالاً كبيراً واستحساناً وفي كثير من الأحيان جعلوها أساساً لقرارات المؤتمرات المعنية.

ثالثاً: في أثناء هذا العام بلورنا اجتهاداً فكرياً فحواه:

  • أن الفكر الإسلامي ينبغي أن يطرح باجتهاد ملم بالأديان المقارنة، وملم باجتهاد بالفلسفات المعاصرة وتطورات العلوم، فالنهج القرآني يعتمد على أن سنن الكون حقائق: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)[2]. والنهج القرآني يتطلب إعمال التدبر، والحكمة، والمقاصد، والعقل، والواقع في فهم قطعيات الوحي، نهج يبين أن الرسالة المحمدية التي صلحت للقرن السابع الميلادي صالحة لزماننا ولمستقبلنا بموجب تفسير متجدد للقرآن، وقراءة جديدة لسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولفقه جديد يحدد الواجب اجتهاداً، ويحيط بالواقع ويزواج بينهما.
  • وأثناء هذا العام بلورتُ رؤى أن الفكرويات السائدة: اللبرالية العلمانية، والأخوانية، والسلفية، والقومية العربية، والأفريقانية، والشيوعية، فكرويات لها عطاؤها، ولكنها على ضوء تطورات الفكر، والمجتمعات، وما خاضت من تجارب تتطلب إجراء مراجعات تخرجها من التعصب الضيق وتبلغها درجة أسمى من العطاء.

رابعاً: لكي تثمر هذه الاجتهادات ينبغي توافر مناخ الحريات العامة. نظام الحكم الحالي زعم أنه حقق إنقاذاً إسلامياً. أوضحنا أن أية تجربة تهدر مبادئ حقوق الإنسان الخمسة: الكرامة، والعدالة، والحرية، والمساواة والسلام. تجافي الإسلام. وكنا قد استفتينا شيخ الأزهر حول ثمانية من أعمال وممارسات النظام السوداني قطع بمجافاتها للنهج الإسلامي. كان مفروضاً أن ينشر كلامه هذا، ولكن جاءه بعض الناس لديهم عاطفة نحو التجربة السودانية وقالوا له لا تتكلم في السياسة، لكن الكلام الذي قاله لي كان واضحاً جداً وهو أن ما ذكرناه له لا صلة له بالإسلام، وفي 27/3/2017م قدم الأخ الطاهر على الريح دراسة بعنوان: حكومة الديمقراطية الثالثة أول من طبقت منهج الله. تجدون نسخة من هذه الدراسة موزعة. والحقيقة اننا التزمنا على اسلمة بشرطين ان تقوم على التراضي وان تقوم بتطمين أهلنا في الجنوب، ولكن الانقلابيين اتخذوا نهجا أحادياً فوقياً، فكان ما كان.

وفيما يتعلق بإنجازات النظام في ربع قرن فقد وثق دارس آخر بالأرقام تفوق الحكومة الديمقارطية فيما أنجزت في ثلاث سنوات. الدراسة بقلم الأخ بكري النور موسى بتاريخ 9/1/2012م ونسخة منها كذلك موزعة. وهذا موضوع أيضا اجتهد فيه ووثق فيه الأستاذ كبج ومعلوماته ومنشوراته في هذا البيان واضحة.

ولكن بصرف النظر عن المقارنات التاريخية فإن النظام الحالي يواجه حصاراً مالياً واقتصادياً بسبب السياسات الخاطئة.

في فترة إيرادات بترول الجنوب أسرف النظام في صرفها دون أن توظف في المدخلات الزراعية والصناعية. ومع احتمال الانفصال في عام 2011م فإن النظام لم يستعد للموقف المتوقع. وبعد الانفصال صار النظام يصدر خططاً لمواجهة الموقف ويفشل في تحقيقها. والموقف الآن هو أن الميزانية الداخلية تعاني من عجزٍ ماليٍ كبير. في الميزانية الأخيرة لسنة 2018م أكبر عجز في تاريخها، عجز مالي كبير يقابله النظام بطبع النقود بلا سند. والميزانية الخارجية معجزة، تلجأ أطراف النظام المعنية إلى شراء الدولارات من السوق السوداء. أكبر مشترٍ للدولار من السوق السوداء مؤسسات حكومية.

النظام لأسباب سياسية لن يستطيع القضاء على ميزانياته المعجزة، لأن هذا يأتي بردود فعل سياسية، وهو يدرك ذلك والآن يفكر أن يعمل إجراءات ويعلن حالة الطواريء ليستطيع احتواء أو مواجهة ردود الفعل . وخوفاً من انفجارات سياسية يتجنب اتخاذ إجراءات تقشفية.

ولا يستطيع النظام أن يجذب استثماراً حقيقياً خلاف بيع الأراضي (زمان حتى في عهد الانجليز كان ممنوع تملك الأجانب للأراضي) لا يستطيع ان يجذب استثمارا حقيقيا وذلك لأسباب أهمها: تعدد أسعار العملة، وعدم إمكانية تحويل أرباح المستثمرين، وآثار العقوبات الدولية، وتفشي الفساد. هذه أسباب تصد أي مستثمر، بل المستثمرون السودانيون في الغالب نقلوا رؤوس أموالهم إلى خارج السودان. في العام 2016 بيان احصائي أن حجم استثمارات السودانيين في إثيوبيا 2.5 مليون دولار، وصارت الاستثمارات الخارجية في أثيوبيا يأتي في المرتبة الأولى فيها الصين وفي المرتبة الثانية السودان.

علق النظام إخفاقاته على شماعة العقوبات التنفيذية الأمريكية، ولكن هذه العقوبات رفعت منذ يناير هذا العام، والحال الآن أسوأ مما كان عليه. الدولار في نهاية عام 2016م كان 17 واليوم 26 أو 27 اي في هذا العام فقد الجنيه عشرة جنيهات من قيمته.

النظام يدرك أن المواقف الأمريكية ضده متعددة ومستمرة وآخرها في 19/11/2017م وإعلان أمريكي يحظر السفر للسودان.

جأر النظام بالشكوى من أمريكا بأنها قسمت السودان وتعمل على مزيد من التقسيم لذلك تقدم بطلب حماية روسية للنظام.

الحقيقة أن سياسات النظام هي التي سببت انفصال الجنوب وسياسات النظام يمكن أن تتسبب في المزيد.

يظهر النظام اليوم، وسدنته ومؤيدوه، سعادة بأنه قد انتصر على الحركات المسلحة. هنالك قاعدتان هما: القوى المسلحة المتمردة تنتصر إذا لم تقهر تماماً. والقاعدة الثانية: القوى المسلحة الممانعة لا تنتهي إلا بموجب حل سياسي. هذه معروفة في التاريخ الحديث كله، أي  قوى مسلحة قامت لأسباب سياسية لا تنتهي إلا إذا استئصلت ولا تنتهي إلا باتفاق سياسي.

القوى المسلحة الممانعة ما زالت موجودة، بل تحظى بعلاقات مناصرة لها عبر الحدود الغربية، والجنوبية. ومعسكرات النازحين واللاجئين ما زالت موجودة بل زادت.

إقليمياً النظام الآن يواجه تأزماً في علاقاته بأهم جارين من الشمال والجنوب (مصر ودولة الجنوب). ولأسباب تتعلق بعلاقات النظام القطرية والتركية فإن أنبوب أكسجين الخليج قد انقطع. وسيف المحكمة الجنائية الدولية ما زال مسلطاً، وسياسة محاربة المحكمة عن طريق تحالف المطلوبين للعدالة لا تجدي: أي واحد مطلوب للعدالة يأتوا به ليقول أنا أريد أن أقضي على المحكمة، هذا لا يمكن ولن تنتهي المحكمة هكذا فهي جزء من النظام الجزائي العالمي.

ههنا أتحدث عن زيارة الرئيس التركي رجب اردوغان. لا شك أن الرئيس التركي أردوغان شخص قام بانجازات مهمة وزيارته للسودان أيضاً تجد منا الترحيب، ولكن الرئيس أردوغان إنجازه الحقيقي هو أنه منذ أن كان رئيس بلدية اسطنبول نجح نجاحاً كبيراً في التنمية، وأهم من ذلك أنه وقد كان جزءً من حزب الفضيلة وهو حزب أخواني المزاج والأيديولوجية وكان يقوده  أربكان، فهو قد جدد  وخرج من الإخوانية إلى التوفيق بين الأصول أو النظرة الإسلامية والنظرة المدنية، هذا هو الإنجاز الذي قام به ولا شك أنه إنجاز كبير ومهم.

في زيارته هذه تحدث عن أمور:

الأمر الأول: الكلام عن أن العثمانيين لم يرتكبوا أخطاءً. لقد درجتُ على القول لأصحابنا من الأتراك: لا تقولوا ذلك في الماضي هناك ناس ارتكبوا أخطاء كبيرة، قولوا تلك أخطاء العثمانيين، ولا تلحق باسم الأتراك، وهذا ما أقوله ولا أتكلم عن تلك الفترة على أنها فترة أتراك، السودانيون يقولون التركية السابقة قلت نغيرها نتكلم عن العثمانية فهي مرحلة تاريخية، لا يقولوا ندافع عن العثمانية فقد ارتكبت اخطاء كثيرة وهذا ما جعل الإمام المهدي يقول الخلافة العثمانية أسقطت تأهيل الخلافة بما ارتكبت من مشاكل، ونحن عارفين في السودان: عشرة رجال في تربة ولا ريال في طلبة. لا معنى أن تدافع عن المظالم العثمانية، اعتبر (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أما أن تقول إن العثمانية لم ترتكب اخطاء فلا، الرئيس أردوغان قال عبارة كهذه وليست صحيحة.

ثانياً: الرئيس أردوغان لديه الآن تبنى لمشروع الأخوان المسلمين، وإني من الذين كتبوا في مصر للرئيس عبد الفتاح السيسي أن يعفو عن الذين حكم عليهم بالاعدام لكي نقوم بمطالبتهم أن يراجعوا موقفهم، لا بد أن يراجعوا موقفهم، لأن الموقف كما هو فيه أخطاء التجربة السودانية وأخطاء التجربة المصرية، لا بد أن تراجع حتى نستطيع أن نعالج الموضوع. أما هو الآن للأسف فإنه يتبنى الموقف، بل يرفع شعارات رابعة، هذا ليس صحيحاً، ويؤدي للكلام عن التبشير بمحور، ونريد أن نتجاوز المحور، ونريد أن يعقد كل من تركيا والعرب وإيران عهداً أمنياً، لكن انطلاق الرئيس أردوغان من دفاع عن العثمانية ودفاع عن الإخوانية دون أن تحدث المراجعة فخطأ، وكان ينبغي أن يكون أدرى بهذه المراجعات، على كل حال هذا ما نقوله لأصحابنا من الأتراك وهم بطريق مباشر أو غير مباشر يتكلمون معه، لأن الدين النصيحة ولا يمكن أن نسير بهذه القضايا “نمشطها في قملتها”، والحقيقة لاهتمامنا بالتجربة الإسلامية المعاصرة نريد تجاوز هذه المشاكل وهذه الأخطاء بالصورة التي ذكرتها.

إذا إدرك النظام خطورة ما يواجه من مخاطر، إذا ربنا هداه، وأدرك ما أدركه دي كلارك في جنوب أفريقيا 1992م وما أدركه بينوشي في تشيلي فيما بعد، يمكنه الاستعداد للعبور نحو نظام جديد عبر حوار باستحقاقاته، فإن التحول المنشود من الاحتراب للسلام ومن القبضة التمكينية للمشاركة الديمقراطية سوف يتحقق.

والخيار الآخر أن يقرأ النظام الظروف الحالية قراءة واهمة ويستمر حتى تبلغ الحالة كتلة حرجة، فيمارس شعبنا ملكيته الفكرية المعروفة في انتفاضة ثالثة عوامل إخفاقات النظام المتراكمة حالياً تغذيها:

ومَنِ الْعَواصِفِ مَا يَكُونُ هُبُوبُهَا     بَعْدَ الْهُدوءِ وَرَاحَةِ الرُّبَّانِ

وتتابُــــــعُ القَطَراتِ يَنْزِلُ بَعْدَهُ       سَيْلٌ يَليهِ تَدَفُّقُ الطُّوفانِ

خامساً: نرتب في الشهر القادم لعقد اجتماع جامع لكل فصائل نداء السودان، وسوف نذلل المانع من ذلك إن شاء الله. وقطعنا شوطاً في التوافق المبدئي مع قوى الاجماع، وسوف نمد يدنا لكل القوى المطلبية، والشبابية،  بهدف جمع الصف الوطني كله حول مطلب إقامة نظام جديد.

إن تراكم إخفاقات النظام وخلو جعبته من أية برامج واعدة يساعدان على جمع صف طلاب النظام الجديد.

كل الاستعدادات ينبغي أن تجعل من عام 2018 عام فرقان بين إرادة شعبية تتحقق وحالة احتضار تستمر.

سادساً: شهد هذا العام حدثين سعيدين في أسرتي بزواج ابني عبد الرحمن وبشرى. عبد الرحمن وهو من أكثر الرجال حباً للأطفال تستقبل زوجه مناسبة سعيدة. وعندما استودعت بشرى وزوجه قلت لهما تعالا بعد السفر ثلاثة إن شاء الله.

لقد سعدت بزواجهما كثيراً واتخذت من عقد زواجهما مناسبة لمواجهة ذهنية دونية المرأة التي أسرفت فيها مقولات: أحاديث زائفة: النساء لُعَب، شاورهن وخالفهن. والمرأة كلها عورة إذا خرجت استشرفها الشيطان. ومقولة اسحق الحويني: كل النساء في الجامعات المختلطة آثمات. هذه أباطيل: فالنبي صلى الله عليه وسلم شاور خديجة وأم سلمة واتبع رأيهما في ظروف مفصلية. والشيطان قال: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ)[3] أي ذرية آدم ذكوراً وإناثاً. أما في أمر الجامعات فإن كان في الأمر إثم فهو مشترك.

لذلك حرصت أن يكون في لفظ العقد المساواة في الحقوق والواجبات. أما مقولة زوجت مجبرتي التي يرددها فقهاء في عقد الزواج فليست إسلامية، خنفشارية تسميها أو حكم اب تكو تسميها، لأن كل أمر يقوم على الإكراه باطل.

سابعاً: في مستهل حياتي السياسية كنت حيثما ذهبت كرئيس أواجه بالتعليق ما أصغر سنه! أي أن صغر السن مانع لجودة الأداء. ولكن أدائي في ذلك الوقت ألهم الكتاب والشعراء زرافات ووحداناً. مقالات وقصائد سجلها التاريخ. وقديماً سجل أبو الطيب:

فَمَا الحَداثَةُ من حِلْمٍ بمَانِعَةٍ          قد يُوجَدُ الحِلمُ في الشبّانِ وَالشِّيبِ

والآن برع كتاب لا سيما سدنة النظام حيثما ذهبت في التعليق على تقدم سني. بل يحلو لبعضهم أن يجمع بيني وآخرين بحكم تقدم السن في صفة العواجيز.

صحيح مع تقدم السن يدب العجز. وصفة عجوز هي من العجز. ولكن في ذمتكم يا تنابلة السلطان هل يمكن وصفي بالعجز؟

عملت دراسة نشرتها تايم في عدد 13/12/2017م عن أشخاص في العقد التاسع من عمرهم يتدفقون حيوية، ووجدت الدراسة أن فيهم صفات أهمها أنهم يناضلون من أجل تغيير ما يمكن تغييره. وأنهم إيجابيون في تناول الأمور، وأنهم جادون في أعمالهم. وأن لهم ولاء عائلي قوي وإيمان. وأن ما يشدهم للعمل تعلقهم بتحقيق أهداف عليا في الحياة.  والحقيقة ترى البعض يكون بحال حسن ولكنه يدمر بعد المعاش لأنه يعتبر نفسه خارج الحياة.

ولكن بصرف النظر عن هذه الدراسة فقد قال الحكيم:

ألم تَرَ أنَ العقلَ زينٌ لأهْله           وأنَ كمالَ العقْل طولُ التجاربِ

وقال آخر:

إذَا طَالَ عُمْرُ الْمَرْءِ فِي غَيْرِ آفَةٍ             أَفَادَتْ لَهُ الْأَيَّامُ فِي كَرِّهَا عَقْلَا

وبصرف النظر عن مقولات الحكماء فكثير من الناس من مفكرين، وقادة قدموا أفضل أداء في سن متقدمة.

هذه ليست مرافعة من أجل ضرورة الاستمرار في موقعي الحالي، فقد كتبت منذ عامين لأجهزة حزبنا اقترح تأسيساً رابعاً للحزب عبر المؤتمر العام الثامن. لقد حالت ظروف مادية دون عقد الورشة الفكرية المطلوبة لدراسة الأفكار التي سوف تقدم للمؤتمر العام الثامن لاتخاذ قرارات بشأنها. ولكن رغم مكايدات النظام لنا فقد استطعنا عبر رهن وبيع بعض الأصول توفير المال اللازم لأعمالنا الضرورية، ما سوف يمكن من عقد المؤتمر العام الثامن في النصف الأول من العام القادم إن شاء الله، وفي مجال هيئة شئون الأنصار عقد المؤتمر العام الثاني.

عندما سمع تنابلة السلطان بعض ما قلت عن التنحي استبشروا بأنني سوف أتخلى عن العمل السياسي، “دقوا صدورهم وقالوا كويس الحمد لله ربنا ريحنا منه”. كان أولى لهم المطالبة بتنحي معوقي حزبهم بأكثر من سبب عن العمل السياسي.

نعم سوف اتخلى إن شاء الله عن العمل الحزبي لأتفرغ للعمل القومي، والفكري، والإقليمي، والدولي، وأشاهد قيام مؤسسة حزبنا الديمقراطية بواجباتها السياسية والوطنية إن شاء الله.

الأنعام هي التي يحدد عمرها قيمتها أما الإنسان:

قل لمن عد السنينَ محاججاً          يا صاحِ ليسَ السرُّ في السنواتِ

لكنَّهُ في المرءِ كيفَ يعيشُه          في يقظةٍ أم في عميقِ سُباتِ

هذا والله ولي التوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله،،

[1] سورة هود الآية (114)

[2]سورة الحجر الاية (85)

[3] سورة الإسراء الآية (82)

1 Comment

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*