خطبة الجمعة 29 شوال 1428هـ – الموافق 9 نوفمبر 2007م بمسجد ودنوباوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة التي ألقاها الإمام الصادق المهدي بمسجد الهجرة بودنوباوي

خطبة الجمعة 29 شوال 1428هـ – الموافق 9 نوفمبر 2007م

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه،

أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز

الترحل والتنقل اكتساب لمعارف واتصالات وتعرف بالآخرين محمود في الكتاب والسنة. قال تعالى: “ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ[1]“.  وقال تعالى “ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[2]“. ومهما كانت الأسفار فالرجاء أن تعود دائماً بالفائدة للسودان الذي استوطن القلب وحملته حدقات العيون:

إنــــــــه جــــــهد أقدمــــــــــــــــه       من نبع قلبٍ هوى السودان أضنـاه

قد همت في حبه منذ الصبا وإلى                    أن ينتهي أجلي أهـــواه أهــــــــواه

كم غازلتني بنات الشعر فيه كمـا           قـــد غازلت قيسَ عند الوصل ليلاه

ففي السويداء من قلبي مكانتـــه           إن مسه الضر مـــا يلقاه ألقــــــــاه

كانت الرحلة الأولى لبرلين في ألمانيا في الفترة 18-19 من أكتوبر، بدعوة من مجلس السياسات العالمية للتركيز على المستجدات في قارة آسيا.

عندما انتهت الحرب الباردة في عام 1989م بدا كأن العالم قد صار في قبضة أحادية أمريكية تسيطر على مصيره. ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م لتصبح الولايات المتحدة في موقف العملاق الجريح الذي منحه العدوان عليه حقاً أخلاقياً للثأر والانتقام.

ولكن الولايات المتحدة بددت هذا الرصيد الأخلاقي لأنها تجاوزت في غزوها لأفغانستان الحدود واستهدفت المدنيين ثم كان غزوها للعراق خطأ فادحاً ومن نتائجه البرهان على محدودية التفوق العسكري، فصحب الانتصار العسكري تخبط سياسي ضخم. الأداء الأمريكي في جنوب وغرب آسيا كشف ضعف الموقف الأمريكي مثلما حدث للاتحاد السوفيتي لدى غزوه لأفغانستان في عام 1980م.

هذا الضعف الأمريكي ضمن عوامل أخرى في آسيا مثل بروز الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، واستمرار تفوق اليابان الاقتصادي، وبروز الهند كقوة اقتصادية وعسكرية، وعوامل أخرى في جنوب شرق آسيا برهنت على أفول الأحادية القطبية الأمريكية. هذا ما تدل عليه القراءة الموضوعية للحالة الآسيوية وهي تدل على أفول الأحادية القطبية.

المحطة الثانية 20-24 أكتوبر كانت في طهران بدعوة من رابطة الثقافة الإسلامية لحضور ملتقى علماء ومثقفي العالم الإسلامي لبحث التضامن الإسلامي. وكانت الرسالة هي أن القوى المعادية للمسلمين تراهن على افتراق كلمتهم على وزن فرق تسد. وفي الملتقى قدمنا رؤية خلاصتها أن المسلمين يؤمنون بإله واحد وكتاب واحد ونبي واحد ومهما اختلفت اجتهاداتنا الإسلامية والقومية والوطنية، فإن واجبنا الديني والقومي والوطني يلزمنا تجنب الانقسام والتضامن لحماية مثلنا ومصالحنا المشتركة هذا يوجب حلف فضول عصري مفرداته:

  1. لا للاغتصاب الصهيوني ونعم للسلام العادل الشامل.
  2. لا للاحتلال. ونعم لعلاقات دولية ندية.
  3. لا لترويع الأبرياء. ونعم للمقاومة المشروعة.
  4. لا لاضطهاد الأقليات المسلمة في الغرب. ونعم لبروتوكول يحترم الخصوصية الثقافية ضمن احترام النظام العام في البلدان المضيفة.
  5. لا للتمييز ضد الأقليات الدينية والثقافية في بلداننا ونعم لكفالة حقوق المواطنة والحقوق الإنسانية لهم.
  6. لا للاستبداد. ونعم للحكم الراشد الذي يقوم على المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون.
  7. لا لتغريب الثروة الوطنية ونعم للتنمية والعدالة الاجتماعية.
  8. وأخيراً لا للابتزاز النووي ولا للتسلح النووي. ونعم لاكتساب المعرفة النووية لأغراض مدنية. كذلك نعم لمنطقتنا خالية من الأسلحة النووية.

ووجدت الفكرة تجاوباً عريضاً.

المحطة الثالثة كانت من 30/10 إلى 2/11 في البحرين وصحبني فيها رئيس وزراء لاتفيا السابق والتقينا مسؤولين حكوميين وكافة ألوان الطيف السياسي لبحث التحول الديمقراطي ومستوى الحوار بين السلطات والقوى السياسية الأخرى. ودارت المناقشات بجدية وحرية حول ما تحقق من إصلاح سياسي وما ينبغي تحقيقه من حوار للتوفيق بين الإصلاح السياسي والضرورات الأمنية.

المحطة الرابعة: في مصر تلبية لدعوة من الحزب الوطني الديمقراطي توّجها لقاء بين الوفود السياسية والسادة جمال مبارك- يوسف بطرس غالي- الرشيد محمد الرشيد- هدى بدران بحضرة السيدة سوزان مبارك والسيد صفوت الشريف. كان اللقاء صريحاً ومفتوحاً تساءلت فيه الوفود الغربية عن حقوق الإنسان في مصر، وكان رد المنصة نعم هنالك مشاكل ولكننا ملتزمون بالإصلاح الديمقراطي وتقيدنا الضرورات الأمنية. وكانت مداخلتنا: صحيح هنالك حاجة للتوفيق بين الحريات العامة والمطالب الأمنية والمطلوب إجراء حوار بين السلطات والقوى السياسية لتحقيق ذلك التوفيق. وقلنا إن المنطقة تمر الآن بظروف غير عادية والرأي العام العربي والإسلامي والأفريقي يتطلع لدور مصري واضح في المجالات الآتية:

  • مؤتمر أنابولس ينبغي أن يكون جامعاً وليس انتقائياً وأن يركز على تحقيق السلام وفق قرارات الشرعية الدولية. فإن استحال ذلك فلا معنى لحضوره.
  • ينبغي الوقوف بصراحة ووضوح ضد الحرب التي تروج لها الآن بعض الأوساط فالمنطقة شبعت حروباً والحروب زادت الأمور تعقيداً وأودت بالأرواح البريئة.
  • ينبغي إعلان موقف واضح من الملف النووي يقوم على أساس حرية البحث العلمي للاستخدام المدني للطاقة النووية. ويقوم على منع انتشار السلاح النووي وتجريد منطقة الشرق الأوسط منه أسوة بأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
  • وأخيراً إن السودان يواجه تأزماً خطيراً ويزيد من تأزمه الأطرالثنائية والجهوية المتبعة لعلاج أزماته. والمؤسف أن التوسط الأجنبي الحالي جاهل بالحقائق وغير محايد. ولا مخرج للبلاد إلا في إطار قومي شامل ودور رقابي لكافة جيران السودان دون استثناء فماذا يمكن أن تقوم به مصر لتحقيق هذه المقاصد؟

كان موقف المنصة كما عبر عنها أمين أمانة السياسات أنه يثني هذه الرؤى.

أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز.

أقول إن منطقتنا تواجه صراعاً بين الغلو والاعتدال، والحقيقة هي كلما كانت العلاقات الداخلية بين أهل الوطن الواحد وفاقية كلما هزم الغلو وساد الاعتدال. كذلك كلما سادت العدالة في السياسات الدولية كلما برز الاعتدال وكلما تعرضت الساحة الدولية للظلم والعدوان كلما انفتحت الأبواب واسعة للغلو.

قال عنترة بن شداد العبسي

أثني علي بما علمت فإنني   سمح مخالقتي إذا لم أظلم!

وقال تعالى: “لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ [3]“.

وقال “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[4]“.

                                                                                  استغفروا  الله

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على نبينا محمد وآله وصحبه مع التسليم وبعد.

أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز

قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[5]).

إذا استولى حزب ما على السلطة بالقوة وفرض رؤية حزبية واحدة على مجتمع متعدد الأديان، والمذاهب، والثقافات، والأحزاب فالنتيجة حتماً هي حدوث استقطاب حاد في كافة المجالات. هذا ما حدث في السودان وقصة البلاد منذ 1989م حتى الآن هي قصة الاستقطابات الحادة والتي بلغت درجة ألزمت الحكام بمراجعة مشروعهم الحزبي الإقصائي عبر ست اتفاقيات هي: اتفاقية السلام من الداخل 1997م- اتفاقية جيبوتي 1999م- اتفاقية نيفاشا 2005م- اتفاقية القاهرة 2005م- اتفاقية أبوجا 2006م- اتفاقية أسمرا 2006م.

الاتفاقيات التي لم يكن في ميلادها عنصر خارجي تبخرت كأنما لم تكن. ولكن الاتفاقيات التي صحبها رافع أجنبي وهي ثلاث حظيت باهتمام أكبر أعني بذلك اتفاقية نيفاشا- وأبوجا- وأسمرا. هذه الاتفاقيات صارت تشكل الأساس للوضع السياسي والدستوري للبلاد. ومع ذلك فقد قامت على تشخيص زائف للأزمات التي تصدت لحلها فأحاطت بها العثرات من كل جانب.

أولا: اتفاقية نيفاشا المبرمة يناير 2005م قامت على سبعة افتراضات باطلة هي:

  • الافتراض الأول أن مشكلة السودان شمالية/ جنوبية فحسب. لذلك أغفلت تماماً وجود مشاكل شمالية/ شمالية وأخرى جنوبية/ جنوبية.
  • الافتراض الثاني الخاطئ هو أن المؤتمر الوطني يمثل كل أهل الشمال وأن الحركة الشعبية تمثل كل أهل الجنوب.
  • الافتراض الثالث الباطل هو أن اتفاقية نيفاشا هي اتفاقية سلام شامل صالحة ببنودها لحل كافة النزاعات الوطنية.
  • الافتراض الرابع الخاطئ هو أن الضمان الخارجي الإقليمي والدولي وحدهما يشكلان ضماناً كافياً لتنفيذ الاتفاقية.
  • الافتراض الخامس الزائف هو أن الراعي الخارجي إيجابي ومحايد في كل أحواله.
  • الافتراض السابع الباطل هو أن ترتيبات وآليات الاتفاقية كافية لبناء الثقة بين طرفي الاتفاقية وصالحة لجعل الوحدة جاذبة.

أظهرت الأيام عبر السنوات الثلاث  منذ إبرام الاتفاقية بطلان هذه الافتراضات وإلى ذلك تعود كافة العثرات التي أحاطت بالاتفاقية.

ثانياً: اتفاقية أبوجا المبرمة في مايو 2006م انطوت على سبعة افتراضات باطلة هي الأخرى، هي:

  • افتراض أن المؤتمر الوطني يمثل كافة أهل دارفور الذين لم يحملوا سلاح المقاومة.
  • الافتراض الثاني الخاطئ هو أن الأحزاب المسلحة تمثل كافة فصائل المعارضة في دارفور.
  • الافتراض الثالث الباطل هو أن الاستجابة لمطالب المعارضة في دارفور ممكنة في إطار ترتيبات نيفاشا وتحت سقف النسب التي حددتها.
  • الافتراض الرابع الخاطئ هو أن الاتفاقية الموقعة في أبوجا في مايو 2006م إطار صالح للتسوية في دارفور ولا ينقصها إلا الضغط على الفصائل التي لم توقع عليها لتوقع عليها، على نحو ما جرت من اتصالات ومحاولات ولقاءات في عروسة في أغسطس 2007م وفي سرت في أكتوبر 2007م.
  • الافتراض الخامس الخاطئ هو أن الوساطات الخارجية التي قامت بها بعض دول الجوار والولايات المتحدة وساطات متوازنة ومحايدة.
  • والافتراض السادس الزائف هو أن قرار مجلس الأمن رقم 1769 يكفي لمراقبة وقف إطلاق النار ولحماية المدنيين ولحماية الإغاثات الإنسانية. والحقيقة أن نشر القوات الدولية قبل تجديد وتعميم اتفاقيات وقف إطلاق النار لتشمل كافة الفصائل لا سيما التي لم يسبق لها التوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار، وقبل بناء الثقة في ترتيبات السلام بإحلال إدارة جديدة في ولايات دارفور تعاون ولا تعاكس المجهود الدولي لا يجدي. بل يدفع بالقوات الدولية في حقل الألغام وعش دبابير.
  • الافتراض السابع الخاطئ هو أن حل أزمة دارفور في نطاق دارفور وحدها ممكن. والحقيقة هي حتى إذا اتحدت كافة فصائل دارفور المسلحة وأبرمت اتفاقاً أيده سائر أهل دارفور فإن هذا الاتفاق سوف يشكل سابقة لمطالب أقاليم أخرى أطلت برأسها في مناطق أخرى ولا يمكن إغفالها.

ونتيجة لهذه الافتراضات الباطلة تدهورت الحالة الأمنية والإنسانية والحدودية في ولايات دارفور بل أفلتت من السيطرة إذ تكاثرت الفصائل المسلحة، وتنوعت مداخلات الدول الخارجية، وتسيست معسكرات النازحين واللاجئين، وأعلنت كثير من العناصر التي كانت تدعم المؤتمر الوطني مطالب جديدة، كذلك حذرت القبائل التي نأت بنفسها من الاقتتال من مغبة إغفالها في أية تسوية.

ثالثا: أما اتفاقية أسمرا المبرمة في أكتوبر 2006م قامت هي الأخرى على سبعة افتراضات باطلة هي:

  • أن جبهة الشرق تماثل في الشرق دور الحركة الشعبية وجيشها في الجنوب.
  • أن المؤتمر الوطني ينوب عن كافة أهل الشرق خارج جبهة الشرق.
  • أن الرعاية الارترية للاتفاقية وحدها كافية لضمان التنفيذ ومبرأة من اعتبارات جيوسياسية أخرى.
  • افتراض أن التسوية في إطار اتفاقية نيفاشا والنسب المقررة فيها ممكنة.
  • افتراض أن فصائل الشرق الأخرى من أحزاب وهيئات مفككة وسوف تستسلم للأمر الواقع الذي صنعته الاتفاقية. مع العلم بأن الاتفاقية واجهت جبهة رفض عريضة وكونت أربع فصائل هامة جبهة موحدة مضادة لها.
  • افتراض أن التسوية لشرق السودان ممكنة في نطاق الشرق وهو افتراض باطل لأنها حتى إذا وجدت قبولا عاما في الشرق فإنها سوف تشكل سابقة لمطالب جهوية أخرى.

رابعا: وفي 11 أكتوبر أعلنت الحركة الشعبية تجميد مشاركتها في الحكومة المركزية بصورة مستمرة حتى تتم الاستجابة لمطالب معينة. هذه الخطوة كانت حلقة من سلسلة نزاعات حاول الطرفان ولا يزالون يحاولون حلها عبر لجنة مشتركة سداسية.

وبالرغم من ذلك فإن الساحة السودانية تشهد تحركات تخلق واقعا جديدا حيثياته وقف حركة الملاحة بين كوستي والجنوب، وتأجيل اجتماعات لجنة وقف إطلاق النار المشتركة إلى أجل غير مسمى، وإعلان الولايات المتحدة استثناء مناطق معينة في السودان من العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان.

قسمت وزارة المالية الأمريكية السودان إلى قسمين قسم تابع للحكومة السودانية ويشمل الوسط، والشرق، والشمال. وقسم سمته المناطق المعينة- عبارة عن المناطق التي سمتها الإدارة البريطانية في  الماضي المناطق المقفولة زائد معسكرات النازحين قرب الخرطوم. الحكومة الأمريكية إذ تريد معاقبة المؤتمر الوطني تعاقبنا عقاباً جماعياً مع إننا نحن من ضحايا المؤتمر الوطني وهذا ينافي حقوق الإنسان الذي يحرم العقوبات الجماعية  وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى. هذا الموقف المحمل بالخطورة زادت خطورته زيارة النائب الأول للولايات المتحدة بصورة تؤكد تنسيق المواقف. لقد وصلنا تقرير من مكتب حزبنا بواشنطن يؤكد أن السيد سيلفا كير قدم شكوى للأمين العام للأمم المتحدة عن إخلال المؤتمر الوطني باتفاقية السلام وطالب بعقد مجلس الأمن لمساءلة القيادة السودانية حول اتفاقية السلام، كما طالب الإدارة الأمريكية ب التدخل السريع والمباشر لحلحلة المشاكل التي تواجه الاتفاقية.

الإعلام الرسمي يمعن في خداع الذات مبشرا بتجاوز الأزمة والأماني المعسولة والواقع الداخلي والخارجي يندفع في خلق حقائق جديدة.

خامسا: كافة التطورات تدل على أن التسويات على النطاق الثنائي والجهوي غير مجدية وأن الركون للوسطاء خارج السودان كذلك غير مجد لثلاثة أسباب: جهلهم بحقيقة أوضاع السودان- وإقحامهم مصالحهم في الدور الذي يقومون به في السودان- وأخيرا عدم حيادهم بين أطراف النزاع.

لذلك سوف تستمر الأزمات ما دام التصدي لها سيكون محصورا في الإطارات الثنائية والجهوية.

وسوف تحتد الأزمات على أيدي الوسطاء الحاليين وسوف يتسع الخرق على الراتق كما نشهد ذلك يوما بعد يوم.

سادسا:  السبيل الأوحد لمواجهة هذا الموقف هو الدعوة لملتقى جامع يشمل كافة الفصائل السودانية التي عددناها في مقام آخر للاجتماع تحت إشراف الأمم المتحدة لتوغلها في الشأن السوداني، وبمراقبة كافة جيران السودان بلا استثناء تحقيقا للتوازن المفقود الآن، على أن يجتمع هذا الملتقى في ظل إعلان مبادئ ملزم للجميع يعلن: احترام كافة اتفاقيات وقف إطلاق النار وتعميمها- احترام المكاسب التي تحققت للجنوب وتعميمها مع مراعاة خصوصية تقرير المصير للجنوب- ضبط الالتزام بحقوق الإنسان كما في المواثيق الدولية- الالتزام بكافة استحقاقات الانتخابات العامة الحرة والاستفتاء النزيه. هذا الملتقى سوف يحقق معادلة كسبية للكافة: المؤتمر الوطني سوف يجد مخرجا من الورطات التي حشر نفسه فيها فهو الآن هدف للعقوبات الدولية وهدف للعقوبات الأمريكية، وللإدانات الدولية المتراكمة كما جاء في تقرير سيما سمر الأخير للأمم المتحدة وكما سوف يرد في تقرير لويس أوكامبو المزمع لمجلس الأمن. سيجد لنفسه مخرجا بموافقة أهل السودان ويكتب لنفسه عمرا في حدود ما يمنحه الشعب من تأييد في الانتخابات الحرة.

الحركة الشعبية سوف تحافظ على المكاسب التي حققتها وتدعمها بالشرعية القومية.

القوى السياسية سوف تحظى بتحقيق مطلبيها وهما السلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الحقيقي.

الحركات السياسية المسلحة سوف تحقق لمناطقها المكاسب المنشودة على أساس الشرعية لا المساومة والمحاصصة. وسوف تتمكن إن شاءت من التطلع لمستقبل سياسي ديمقراطي.

سابعا: هذا النهج الوفاقي القومي هو الوحيد القابل للنجاح والجدوى وهو المطلوب كذلك في مناطق أخرى مأزومة كالصومال، وأفغانستان، والعراق، ولبنان، وفلسطين. في هذه المناطق وغيرها ينبغي تجنب محاولة الحلول التي يمليها طرف واحد أو طرفان. بل الحلول القومية الشاملة وحدها المجدية.

إن ثراء تجارب السودان ونضج مجتمعه السياسي والمدني يرشحانه للإقدام على هذا النهج السديد.

إن استمرار التأزم الحالي وأبعاده الخارجية مستحيل، وسوف تُفرض حلول من طرف واحد أو أطراف متحالفة غير محسوبة العواقب.

أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز

لقد بلغت اللهم فاشهد.

قوموا لصلاتكم يرحمني الله وإياكم.

[1] العنكبوت الآية 20

[2] سورة يوسف الآية 109

[3] سورة النساء الآية 148

[4] سورة البقرة الآية 186

[5] سورة يوسف الآية 111