خطبة الجمعة بمسجد بودنوباوي 19 سبتمبر 2008م

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة التي ألقاها الإمام الصادق المهدي

بمسجد الهجرة بودنوباوي

19 رمضان 1429 هـ – الموافق 19 سبتمبر 2008م

الخطبة الأولى

اللهم إني أحمدك وأثني لك الحمد يا جليل الذات ويا عظيم الكرم وأشكرك شكر عبد معترف بتقصيره في طاعتك يا ذا الإحسان والنعم وأسألك اللهم بحمدك القديم أن تصلي وتسلم على نبيك الكريم وآله ذوي القلب السليم وأن تعلي لنا في رضائك الهمم وأن تغفر لنا جميع ما اقترفناه من الذنب واللمم. وبعد-

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز

أحدثكم في الخطبة الأولى عن شبهات في تاريخ بلادنا وضرورة تصويبها وفي الخطبة الثانية عن رحلاتي الأخيرة وارتباطها بالوطن ومصالحه.

قال تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)[1]. وقال: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)[2].

في يوم 26 يناير 1998م احتفلنا في قلب القاهرة بذكرى تحرير الخرطوم وقلت في خطابي احتفال بتحرير الخرطوم في قلب القاهرة: صدق أو لا تصدق! وكان من بين الحاضرين الأستاذ يونان لبيب رزق أكبر المؤرخين المصريين على قيد الحياة يومئذٍ. فقام وقال: يحق لكم أن تحتفلوا في قلب القاهرة لأنه في وقت الحركة المهدية كان يسيطر على الشارع السياسي المصري تياران التيار الإسلامي بقيادة الشيخين جمال الدين ومحمد عبده.

والوطني بقيادة العرابيين، وكلاهما كان مستبشرا بالحركة المهدية في السودان ومؤيداً لها لتحرير مصر نفسها من قبضة ملكية غير مصرية وغير صالحة.

وفي رحلتي الأخيرة لأمريكا أطلعت على مجلة علمية ذكر فيها عالم الآثار العظيم شارلس بونيه أنه عندما زار السودان لأول مرة في الخمسينيات للتنقيب عن الآثار قال له بعض زملائه أنت مجنون ليس في السودان تاريخ يذكر وأوضح بعد ذلك كيف أنه اكتشف في السودان تاريخا عريقا لا يجارى وسجل اكتشافاته في الدوريات العلمية وفي المتحف القومي السوداني.

هذه الحقائق تؤكد أن هناك تبخيسا لتاريخ بلادنا بصورة بشعة. فالمهدية الآن تدرس في مدارسنا بلا أدنى اعتراف للمهدية بصدق الدعوة بل يصور المهدي كأحد الأبطال الوطنيين أو كأحد الكثيرين الذين ادعوا المهدية، الحقيقة مختلفة.

أقول: المسلمون منذ مئات السنين قرروا عبر مواقف كثير من العلماء الاستسلام للواقع الظالم فعلماء أهل السنة قالوا بالاستسلام للمتغلب اتقاء الفتنة. والشيعة قرروا إرجاء الإصلاح حتى يظهر الإمام الغائب. منذ 265هـ والصوفية ركزوا على واحات التربية الروحية.

هذا الركود أزعجته جحافل الاحتلال الأوربي الذي احتل شمال أفريقيا، واخترق السلطنة العثمانية، واستباح أفريقيا. الغزو الأوربي أثار ضده حركات مقاومة مضادة بعضها بالرأي الاجتهادي كموقف الشيخ جمال الدين، وبعضها جهادي كما في الجزيرة العربية، وفي غرب أفريقيا.

ولكن الحركة التي انفردت بأنها تجاوزت النظري للعملي، وتجاوزت القطري للأممي، وتجاوزت القيد المذهبي للاعتماد على الكتاب والسنة دون تقليد لاجتهادات الأقدمين هي الحركة المهدية في السودان.

لذلك قال عنها د. عبد الودود شلبي إنها حركة تمثلت فيها كل تطلعات أهل القبلة في زمانها. انفردت الدعوة المهدية في السودان بالأربعة خصائص الآتية:

  • الدعوة لإحياء الدين بالركون للقرآن والسنة وتجاوز التمذهب والتفرق.
  • الدعوة لتوحيد أهل القبلة وتجاوز الأقطار.
  • إحياء واجبية الجهاد في وجه الاستعمار الخارجي والظلم الداخلي.

تقديم قيادة صاحبها معروف بالصدق والأمانة أعلن أنه خوطب خطابا غيبيا بإحياء الكتاب والسنة وأنه هو مهدي الله وأن المهدية قائمة بهذين المبدأين وأن ما كان مناقضا للكتاب والسنة يرمي به عرض الحائط وأن إتباع هذه الدعوة واجب لأن الله يقول: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إليّ)[3].

وأن الربط بين المهدية وتوقيتات معينة لا يجوز لأن الله يفعل ما يشاء لذلك عندما سئل الإمام المهدي عن بعض شروط المهدية تلى آية الكرسي وقال:(وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)[4].

لذلك قلنا ونقول للآخرين من إخواننا في الإسلام: لكم أن تعتقدوا ما تشاءون في أمر المهدية ولكن هل نرجئ الإصلاح إلى آخر الزمان؟ أم نرجئ الإصلاح إلى عودة الإمام الغائب؟ أم أن الحاجة للإصلاح يفرضها انتشار الباطل وعموم الفساد فالمهدي منتظر لتحقيق الإصلاح بشرعية دينية مقاصدها واضحة: إحياء الكتاب والسنة دون تقليد الأقدمين، والدعوة لتوحيد أهل القبلة، والتشمير لمقاومة السلطان الجائر، والعمل على طرد المحتلين.

لا بد من الاعتراف لصاحب هذه الدعوة بمهدية بهذه المواصفات وهذا فيه فك لعقال المهدية من قيود التوقيتات والأنساب وربطها بوظيفة الإصلاح. وهذا ما قاله الشيخ أحمد العوام في رسالته التي أعدمه غردون باشا بسببها والتي أمر المهدي أن تطبع وتوزع بعد تحرير الخرطوم.

قلت هذا في سمنار بعنوان: “فكرة المخلص والمهدي في الفكر الديني والإنساني” والذي أقامته هيئة الأعمال الفكرية بالتعاون مع المستشارية الثقافية لسفارة جمهورية إيران في 6 سبتمبر 2006م. بحضور علماء من أهل السنة، والشيعة، والصوفية، فاستحسنوا الرأي لأنه في الحقيقة يوفق بين العقل والنقل.

لقد آن الأوان أن يرد اعتبار الدعوة المهدية لا في نطاق أنصار الله وحدهم ولكن على النطاق الأوسع.

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز.

مهما كانت إنجازات المهدية التاريخية فقد قال الإمام المهدي: في مقبل الأيام تظهر لدعوتنا كرامة أكبر مما ظهرت حتى الآن.

تفكرت في معاني هذه المقولة وأقول:

  • زعم كتشنر أنه قد دفن المهدية بعد غزوه للسودان ولكن في أقل من نصف قرن كان الكيان الذي غرست بذرته المهدية هو الأكبر في السودان.
  • تضاربت الرؤى حول مستقبل السودان ولكن تلك البذرة بدعم الشعب السوداني حققت استقلال السودان كامل السيادة.
  • ربط المهدية بوظيفة الإصلاح المنطلق من دعوة واحدة لا تتكرر ولكنها تفتح باب الإصلاح باستمرار من شأنه أن يوحد رؤى المسلمين حول برنامج الإصلاح الديني فتكون المهدية أداة تجميع لا تفرقة بين المسلمين.
  • إذا كانت السنة تعني إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فكل المسلمين سنة، وإذا كانت الشيعة تعني حب آل البيت فكل المسلمين شيعة، وإذا كانت الصوفية تعني أن للأحكام الدينية أغواراً روحية فكل المسلمين صوفية.

بهذه النظرة الواسعة فإن مبادئ المهدية جمعت ما تفرق بين الفرق كاعتماد الركون للكتاب والسنة وهو أهم مبدأ أهل السنة وتمييز القيادة الدينية وهو أهم مبدأ الشيعة، والقول بالأغوار الروحية للأحكام وهو أهم مبدأ للصوفية، وإيجاب الجهاد بكل وسائله وهو أهم مبادئ الحركيين، واشتراط الكفاءة والقبول للقيادة وهو أهم مبادئ الأباضية.

  • وفي بلادنا الآن في وجه استقطاب بين إقصاء وإقصاء مضاد فإن بذرة الدعوة المهدية بما استصحبت من مستجدات تسعف الوطن برفع راية السودان العريض الذي يعطي كل ذي حق حقه.
  • والكيان الذي غرسته صالح للمساهمة في جمع أهل القبلة حول دعوة وسطية الإسلام.
  • وهو كذلك صالح للمساهمة في حوار الأديان والحضارات الذي سيؤدي في نهاية المطاف لميثاق روحي وأخلاقي تدين له الإنسانية وهو مشروع يجد في الإسلام الحاضن الأمثل له.

لعل هذه الحقائق السبع تمثل تفسيرا للكرامة الواردة في مقولة الإمام المهدي.

أحبابي في الله وأخواني في الوطن العزيز.

(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ )[5]. (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)[6]

استغفروا الله

 


الخطبة الثانية

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز.

عدنا للبلاد وكثير من قضاياها زادت سخونة فالحالة المعيشية زادت ضيقا والأحوال في دارفور زادت ترديا وكثرت الخلافات حول التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية وكلها قضايا تتطلب منا الاهتمام وتوضيح المواقف والعمل على الإصلاح برؤية قومية وسوف أتناول هذه القضايا في مجال آخر. ولكن الآن أتحدث عن رحلاتي الأخيرة ونتائجها.

كانت الرحلة الأولى للولايات المتحدة لحضور مؤتمر الحزب الديمقراطي ولمقابلة مواطنينا المقيمين هناك.

أمريكا أقوى وأغنى دولة في العالم وهي الآن تمثل العالم كله بكل قاراته الأوربية، والآسيوية، والأفريقية، واللاتينية. أمريكا قوس قزح عالمي.

والمجتمع الأمريكي مجتمع مفتوح بدليل أن شخصاً أبوه كيني وأمه أمريكية استطاع أن يحصل على ترشيح أكبر حزب في البلاد لرئاسة الجمهورية.

والدليل على أن المجتمع الأمريكي مفتوح هو أن جماعة من الساسة أطلق عليهم وصف المحافظين الجدد وسميتهم اليمينيين الراديكاليين استطاعوا أن يسيطروا على الحكومة الأمريكية ويوجهوها وجهات تخدم أفكارهم ولا تخدم مصالح أمريكا. وكذلك استطاع جماعة اللوبي الإسرائيلي أن يسوقوا سياسات أمريكا في اتجاهات تخدم مصلحة إسرائيل قبل مصلحة أمريكا.

ما سمعناه من الساسة الديمقراطيين هو أنهم يتجهون نحو التغيير وهو شعار ردده الجمهوريون أيضا. كان رأينا لهم: التغيير ضروري لأن سياسات أمريكا الحالية أضرت بشعوب العالم وبالمصالح الأمريكية. ولكن قبل التغيير استمعوا لما يقوله الآخرون وخذوا في اعتباركم تجنب الأحادية التي سببت لكم الكراهية.

ليس من المنطقي أن تكون كل مصالح أمريكا – مثلا- مع العرب: النفط- وشراء السلاح- واستيراد السلع- وشراء سندات الحكومة الأمريكية، والركون للدولار عملة تعامل وهكذا.. وبالرغم من ذلك فكل مواقف أمريكا ضد العرب ومع عدوهم المغتصب. هذا لا يمكن أن يستمر والمطلوب من العرب، والمسلمين، والأفارقة بل كل أطراف العالم أن يقولوا بوضوح ما هي مصالحهم وأنهم يتوقعون من السياسة الأمريكية أن تتبادل معهم المصالح بالعدل وإلا خسرتهم. هذا ما ينبغي عمله ومن ناحيتنا سوف نحدد ما نراه مطلوبا من أمريكا في السودان وفي المجالات الأوسع العربية والأفريقية والإسلامية.

وكانت الرحلة الثانية للشقيقة مصر وتناولنا مع المسؤولين وقطاعات حزبية هامة ومنظمات المجتمع المدني القضايا الراهنة وطالبنا أن تدعم مصر توجهات السودان نحو الحل القومي لقضايا البلاد وأن تؤيد عقد مؤتمر أمن إقليمي يجمع السودان وكافة جيرانه لإبرام اتفاقية أمن وحسن جوار وتعاون إقليمي ووجدنا تجاوبا مع هذه الرؤى. وفيما يتعلق بالعلاقات السودانية المصرية يجري تحضير لمؤتمر تحت مظلة أسرة وادي النيل لدراسة وإبرام ميثاق وادي النيل الذي يرجى أن يضع أسساً للعلاقة بين الشعبين تحترمها الحكومتان والشعبان وتحقق مصالحنا المشتركة.

هذا هو النهج الصحيح لحماية هذه العلاقة المصيرية من التقلبات ومن الانفعالات وردود الأفعال بل تقوم على أساس استراتيجي ثابت.

والرحلة الثالثة كانت إلى الشقيقة إريتريا واتفقنا على استئناف العلاقات بين الأمة والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة.

كما وعد الأخ أسياسي أفورقي وزملاؤه دعم الحل السوداني القومي لقضايا السودان وتأييد المؤتمر الإقليمي الجامع للسودان وجيرانه لإزالة أسباب التوتر وإقامة علاقات الأمن المتبادل وحسن الجوار.

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز.

هنالك إجراءات إسرائيلية بمزيد من التضييق في الأراضي المحتلة فقد أغلقوا مكتب مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية ويواصلون الحفريات حول الأقصى وزيادة المستوطنات في القدس ومواصلة بناء الحائط العنصري العازل وكلها إجراءات توجب العمل على كشفها واستنكارها ودعم المقاومة السبيل الصحيح لاسترداد الحقوق المغتصبة.

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز.

ندخل غدا في العشرة الأواخر من الشهر الكريم سائلين الله سبحانه وتعالى أن يقبل صيامنا وقيامنا وأن يرحمنا ويرحم آباءنا وأمهاتنا، وأن يهدينا ويهدي أبناءنا وبناتنا، وأن يأخذ بيد وطننا وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا..

 

قوموا لصلاتكم يرحمنا الله أجمعين.

[1] سورة الشعراء الآية 183

[2] سورة يونس الآية- 35

[3] سورة لقمان الآية-15

[4] سورة البقرة الآية- 255.

[5] سورة يوسف الآية 108

[6] سورة البقرة الآية 186